سياسة

في مديح رئيس أمريكي

الجمعة 2018.12.7 08:40 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 415قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

بالأمس، غادر جثمان الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب واشنطن، متوجها إلى مثواه الأخير بولاية تكساس، ليتم دفنه قرب المكتبة الرئاسية في جامعة كوليدج ستيشن في مدينة هيوستن، بعد انتهاء مراسم الجنازة الرسمية التي أقيمت في الكاتدرائية الوطنية في العاصمة الأمريكية.

تمثل وفاة رئيس أي دولة فرصة مناسبة لتذكر فترة حكمه وإعادة تقييم سياساته و مراجعة طريقة إدارته ودراسة تأثير قرارته على بلاده وتبعات مواقفه على دوائر تفاعل دولته وعلى محيطها الإقليمي وعلى وجودها الدولي، وتتعاظم أهمية هذه الفرصة إذا كانت الدولة هي الولايات المتحدة الأمريكية بنفوذها وتأثيرها الذي لا ينازعها فيه أحد، وإذا كان هذا الرئيس هو جورج بوش الأب الذي شهد عهده أحداثا تاريخية لا تُنسَى، واتخذ مواقف مفصلية لا زال العالم يعيش في ظلالها وما زالت منطقتنا تعيش تبعاتها حتى الآن.

تجلى عمق فهمه للسياقين الإقليمي والدولي للأزمة حين أصرَّ على أن يكون تحرير الكويت تحت مظلة تحالف دولي وعربي، وتحت غطاء الأمم المتحدة وقراراتها، ورفض بوش الأب أن يكون التدخل العسكري لتحرير الكويت عملا أمريكيا منفردا رغم سهولة ذلك، فوقتها لم يكن هناك منافسا لأمريكا أو رادعا لها أو معترضا على سياساتها.

قبيل انتخابات الرئاسة الأمريكية الأخيرة، في العام قبل الماضي، نشر موقع "insidgove" تصنيفا يشمل أفضل رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية وأسوأهم في العصر الحديث، واعتمد الموقع في تصنيفه على عدة عوامل، من بينها متوسط القبول الذي يحظى به الرئيس من الجميع خلال فترة رئاسته، ومتوسط هامش الفوز عن طريق التصويت الشعبي وتغير معدل البطالة وتغير نسبة العجز في الناتج المحلي الإجمالي، وتغير نسبة الدين الفيدرالي، وأخيرا فوز أو خسارة حزب الرئيس بمقاعد في الكونجرس خلال فترة توليه الرئاسة، وبهذه المعايير تفوَّق جورج بوش الأب على رؤساء "تاريخيين" مثل باراك أوباما الذي حل في المرتبة العاشرة، وجيمي كارتر الذي حل في المرتبة الثالثة عشر، فيما حل بوش الأب في المرتبة التاسعة بنسبة 53.30%، بعد أن حظي بنسبة تأييد عالية خلال الثلاثة سنوات الأولى من رئاسته، إلا أن قراره برفع الضرائب جعلت شعبيته تتراجع وخسر انتخابات الرئاسة عام 1992.

ما يستحق التوقف عنده هنا هو أن بوش الأب حل في هذه المرتبة المتقدمة رغم أن هذا الموقع في تصنيفه استبعد السياسات الخارجية لكل رئيس، نظرا لصعوبة قياس هذه الإنجازات كميا، وربما لو كانت السياسات الخارجية مشمولة في هذا التصنيف لحل بوش الأب في المركز الأول بلا منازع، باعتبار السياسة الخارجية كانت مجالا لخبرته المهنية الطويلة التي شملت عمله مندوبا لبلاده في الأمم المتحدة وسفيرا لها في الصين ومديرا لوكالة المخابرات المركزية ونائبا للرئيس رونالد ريجان لمدة 8 سنوات، وهذا ربما كان من بين الأسباب التي جعلت ميدان السياسة الخارجية محل إنجازه الرئيسي وسببا في تخليد اسمه بين رؤساء أمريكا، ففي عهده وقع أهم حدث في النصف الثاني من القرن العشرين وهو سقوط جدار  برلين عام 1989 ثم انهيار الاتحاد السوفيتي رسميا عام 1991، وبينهما حدثت أعمق أزمة إقليمية تغير معها وجه الشرق الأوسط بأكمله والتي تمثلت في الغزو العراقي للكويت عام 1990، وفي الحدثين تعامل جورج بوش باحترافية شديدة وتعاطى معهما بحكمة استثنائية ساعدت العالم على عبور الأزمتين بالحد الأدنى من الأضرار، فالحدث الأول كان تاريخيا ومثل نقطة تحول في السياسة العالمية وأنهى نظام القطبية الثنائية وأنهى معها حربا باردة استمرت نحو نصف قرن، وأنشأ نظاما دوليا جديدا أحادي القطبية، ومع ذلك تعاطى بوش مع هذا الانتصار التاريخي بتواضع ورقي وتعامل بمنطق أخلاقي يخلو من أي شماته في خصمه التاريخي اللدود، ولعل هذا ما تجلى في إصراره على إشراك جورباتشوف في رئاسة مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط في أكتوبر 1991، رغم علمه أن الاتحاد السوفيتي يلفظ أنفاسه الأخيرة، لكنه لم يرد أن يهين خصمه وأراد أن يظل منافسه في واجهة الصورة حتى يومه الأخير.

في الأزمة الأخرى التي تعنينا في المنطقة العربية أكثر مما تعني غيرنا وأكثر مما يعنينا غيرها، كان الإنجاز الأكبر لبوش الأب في مجال السياسة الخارجية، فإليه يعود الفضل الأكبر في تحرير الكويت في فبراير 1991، وهنا تجلت حكمته وتجلى عمق فهمه للسياقين الإقليمي والدولي للأزمة حين أصر على أن يكون تحرير الكويت تحت مظلة تحالف دولي وعربي وتحت غطاء الأمم المتحدة وقراراتها، ورفض بوش الأب أن يكون التدخل العسكري لتحرير الكويت عملا أمريكيا منفردا رغم سهولة ذلك، فوقتها لم يكن هناك منافس لأمريكا أو رادع لها أو معترض على سياساتها وهي المنتشية بنصر تاريخي وشيك، والأهم من ذلك أن بوش الأب أدرك بوعي شديد وبرؤية استراتيجية واضحة المعالم أن تجاوز حدود الكويت والدخول إلى العراق للإطاحة بصدام حسين رغم بشاعة ما ارتكبه لن تسفر سوى عن انهيار التوازنات الإقليمية القائمة وإحداث حالة من الفراغ لن تستفيد منها سوى طهران، فوفقا لما ذكره وزير خارجيته جيمس بيكر كان بوش يعلم أن إزاحة صدام، مع ما تستوجبه من معارك، ستترك العراق ممزقا وضعيفا، وبالتالي سيتحول إلى لقمة سائغة أمام الجار الإيراني المتربص الذي سيسارع حكامه إلى نشر الأصولية الشيعية والتحكم في العراق، وخلق حربا طائفية شبيهة بما حدث في لبنان، وبالتالي فالتشظي والتمزق هو مصير العراق لو تمت الإطاحة بصدام، كما أن احتمال انفراط عقد التحالف الذي شكلته أمريكا وبالتالي فقدان الشرعية الدولية كان واردا ، وهو ما منع بوش من اتخاذ هذا القرار لأنه كان يعلم أن الوصول عسكريا إلى بغداد دون خطة واضحة سيعني في النهاية تسليم العراق على طبق من ذهب إلى إيران، لذا التزم بوش حرفيا بما تمليه قواعد القانون الدولي وتصرف في إدارة هذه الأزمة على أن التحالف الذي تقوده بلاده هو قوة تحرير لا قوة غزو، لذا يجب أن تقتصر مهمته على إعادة الكويت إلى شعبها وحكومتها دون أن تتعداها، مع تقييد الرئيس العراقي وشل قدرته على الحركة دون التدخل لإطاحته، الأمر الذي تبلور في فرض منطقتي الحظر الجوي في شمال العراق وجنوبه.

لم يُغيّب الموت فقط شخصية نبيلة في مخيلة الأمريكيين، ولا زعيما حقيقيا، ولا أحد أبطال الحرب العالمية الثانية، ولا بطل الحرب الباردة ومنهيها والمنتصر فيها، لكنه غَيَّب أيضا حقبة غابرة من التحضر في السياسات الأمريكية، لذا لم يكن غريبا أن تسود مراسم جنازته روحا تخلوا من النزعة الحزبية والخلافات السياسية تكريما لرئيس دعا إلى دولة "أكثر عطفا وأكثر لطفا".

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات