سياسة

القس برانسون.. مسمار بنعش العلاقات الأمريكية التركية

السبت 2018.7.28 05:23 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 695قراءة
  • 0 تعليق
القس الأمريكي أندرو برانسون

القس الأمريكي أندرو برانسون

لئن تصاعد، مؤخرا، منسوب التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا حول عدد من الملفات الخلافية، إلا أن قضية القس الأمريكي أندرو برانسون، أخرجت التوتر من خانة الحرب الباردة إلى التراشق بالاتهامات والتهديدات.

منعطف طفا إلى السطح الأربعاء الماضي، حين رفضت محكمة إزمير الجزائية الثانية، طلب محامي برانسون بالإفراج عن الأخير والذي يحاكم بتركيا في قضايا إرهاب وتجسس.

وقررت المحكمة تمديد حبس برانسون على ذمة القضية عقب الاستماع إلى الشهود، وهو ما أثار حفيظة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، والذي هدد، من الغد، بفرض عقوبات على أنقرة.

تهديد فجر غضب المسؤولين الأتراك، لتندلع بذلك حرب كلامية لم تحط أوزارها حتى الساعة، ويرجح مراقبون أن تكون لها تداعيات على مختلف جوانب العلاقات بين الجانبين.

فكيف تطورت أزمة القس برانسون الموقوف منذ أكثر من عام في تركيا بتهمة التجسس ودعم تنظيمات إرهابية، حتى وصلت إلى هذه النقطة؟

مد وجزر

القضاء التركي أعلن، الأسبوع الماضي، استمرار حبس برانسون، وحدد جلسة محاكمة جديدة بعد شهرين.

غير أن محامي برانسون طلب تغيير شكل عقوبة موكله من السجن إلى الإقامة الإجبارية في منزله بسبب وضعه الصحي، وهو ما قبلت به المحكمة التي قررت تغيير مكان حبس برانسون إلى مكان إقامته في مدينة إزمير الجنوبية .

قرار لم ينل إعجاب ترامب على ما يبدو، فصعد مطالبا بالإفراج عن القس ومهددا أنقرة بدفع الثمن، في حرب لاقت تضامنا من قبل نائبه مايك بنس، والذي أعلن تضامنه مع رئيسه، وشن حربا كلامية عنيفة ضد أنقرة .

أما القيادات التركية، فسارعت، من جانبها، للتوحد في الرد على ترامب ونائبه عبر تصريحات عنيفة وحادة، ترفض التصعيد الأمريكي، وتعلن أن أنقرة جاهزة لجميع الاحتمالات.

ورغم الواجهة الجليدية التي أبداها المسؤولون الأتراك حيال الأمر، والتصريحات النارية القوية، إلا أن مصادر من داخل النظام التركي تؤكد أن أنقرة مهتزة جراء تهديد ترامب، وأنها منكبة بتفكيك رموز رسالة الأخير وارتداداتها.

 لكنها في العلن، تخرج لترفع شعاراتها المعتادة بأنها لن ترضخ أو تتراجع عن مواقفها رغم كل الضغوطات والتصعيد الأمريكي في هذا الملف.

التصعيد بدأه ترامب، الخميس، عبر تغريدة قصيرة بموقع "تويتر"، قال فيها إن "الولايات المتحدة ستبدأ بفرض عقوبات واسعة ضد تركيا، بسبب احتجازها لفترة طويلة للقس الأمريكي أندرو برانسون".

 ثم جاء الرد التركي الذي يلتقي عند نقطة أساسية قالها فؤاد أوكتاي، مساعد الرئيس، وهي أن "الولايات المتحدة الأمريكية مجبرة على احترام قرارات القضاء في تركيا.. تركيا دولة قانون، والعدالة التركية على مسافة واحدة من الجميع، ولا نتسامح مع أي تهديدات رخيصة".

 أردوغان قال، من جهته، من جنوب أفريقيا حيث يحل ضيفا على قمة "البريكس" إن "البعض قلق ومنزعج من تقاربنا وانفتاحنا على روسيا والصين والهند"، دون أن يسمي طرفا بعينه، لكن الواضح أنه كان يقصد واشنطن.

وحتى الأقلام المقربة من "العدالة والتنمية"، والتي ظلت صامتة في اليومين اللذين تليا اندلاع الحرب الكلامية حرصا على إنقاذ العلاقات، بدأت تتحرك لتقول لواشنطن إن «تركيا ليست دولة قبيلة بين الدول التي يتعاملون معها في العالم الثالث". 

جميع السيناريوهات ممكنة

في المقابل، تساءلت أصوات في المعارضة التركية عن سبب تجاهل الإعلام التركي ملف القضية حتى الآن؟ متسائلة إن كان التصعيد الحالي هو مؤشر على انفلات الأمور واستحالة ترميمها بمثل السهولة والسرعة التي يتوقعها قادة البلاد؟

وعلى ما يبدو، فإن كل طرف يجهز نفسه لحرب طويلة معقدة متداخلة، في حال لم يدخل وسطاء على الخط، وهو أمر مستبعد في مثل هذه الأجواء.

 حالة استنفار قصوى تلوح باحتمال استخدام الجانبين لجميع الأوراق والأسلحة السياسية والإعلامية والاقتصادية الممكنة، ولكن بشكل تدريجي.

فأنقرة تركز الآن على ملفات استرداد فتح الله غولن المقيم بالولايات المتحدة، والمصرفي التركي السجين هاقان أتيللا، وإنجاز ملف منبج السورية، وحماية الاتفاقية الموقعة حول صفقة طائرات «أف –35».

فيما تريد واشنطن استرداد القس برانسون، وتخلي الأتراك عن صفقة صواريخ «أس – 400،» مع روسيا ووقوف أنقرة إلى جانبها في الاستعداد للتصعيد ضد إيران إقليميا.

فترامب يريد إرضاء الكنيسة الإنجيلية التي ينتمي إليها كثير من فريق عمله، والآلاف من قواعده الشعبية قبل الذهاب إلى انتخابات مرحلية.

أما أنقرة، فتذكر واشنطن بأن أردوغان يمتلك صلاحية مبادلة السجناء والمطلوبين، وما بين الأمرين، يرقب العالم النهاية المحتملة لهذه الحرب الشعواء.

واشنطن ستصعد مجددا

ما يقوله بنس لا يمكن تجاهله في تركيا، خصوصا حين يتحدث عن فرض عقوبات على أنقرة في حال عدم إفراجها عن القس برانسون.

 بنس كان يحذر أنقرة لكنه، في الوقت نفسه، يقطع الطريق على خطوة التفاؤل التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو نفسه، والذي قال في تغريدة على حسابه عبر تويتر: "نرحب بالإعلان الذي انتظرناه طويلا بنقل القس من السجن إلى الإقامة الجبرية في تركيا، لكن هذا الأمر ليس كافيا".

وفيما كانت بعض وسائل الإعلام التركية المقربة من الحكم تنقل مواقف بومبيو المشيدة بنقل القس برانسون من السجن إلى الإقامة الدائمة في منزله، دخل ترامب على الخط ليعلن أن برانسون "رجل بريء ويجب إطلاق سراحه فورا".

 من جهتها، حللت الإدارة الأمريكية ما قاله أردوغان قبل أيام، في راسلة مباشرة لواشنطن: "يقولون "أعيدوا القس لنا". لديكم من يقول إنه رجل دين أنتم أيضا. سلموا (غولن) لنا".

 رسالة تلخص حقيقة مطالب أنقرة، والتي تدور، في محاورها الرئيسية، حول تسليم غولن، وإتمام صفقة المقاتلات.

في المقابل، هناك مطالب أمريكية يتزايد عددها، وتعكس حقيقة تفاقم الأزمة وتوسعها، منذرة بانفجارها في أي لحظة.

 فالواضح أن واشنطن لن تكتفي بقرار المحكمة التركية الأخير تحويل مكان سجن برانسون إلى منزله في إزمير بعد اعتراض الدفاع وفرض الإقامة الجبرية، عوضا عن الحبس.

المواجهة لم تعد تتم بشكل غير مباشر عبر معلومات وتوقعات تنسب إلى مصادر عليا في البلدين، وأشكال التصعيد يتنقل بين الحرب الكلامية والإعلامية والتغريدات اليومية والمواقف السياسية الصادرة عن أبرز القيادات في الجانبين.

تعليقات