بين الأنجلوفون والفرانكفون.. الجغرافيا الخفية لتمويل المناخ (حوار)
لأول مرة خرجت وثيقة لدعم العدالة المناخية كان في أغسطس/آب عام 2002، وهي «مبادئ بالي للعدالة المناخية»، تمت صياغتها من قِبل منظمات المجتمع المدني والحركات البيئية العالمية، وهي مجموعة من 27 مبدأ.
وتهدف الوثيقة بصورة عامة إلى إعادة تعريف تغير المناخ كقضية حقوقية واجتماعية بدلًا من كونها مشكلة تقنية، والغرض منها على أي حال، هو ضمان حماية الفئات المجتمعية الأكثر ضعفًا؛ خاصة النساء والأطفال والأفراد الذين يعيشون في المناطق الأكثر عرضة لمخاطر تغير المناخ، وضمان توزيع عادل للأعباء، والغرض النهائي منها الربط بين حقوق الإنسان والتنمية المستدامة.
وتزامن خروج الوثيقة مع انطلاق "قمة الأرض للتنمية المستدامة في جوهانسبرج بجنوب أفريقيا" في الفترة ما بين 26 أغسطس/آب و4 سبتمبر/أيلول 2002، والتي كان الغرض منها مراجعة التقدم المحرز منذ قمة الأرض في ريو دي جانيرو عام 1992.
حتى اليوم، ما زالت المنظمات الحقوقية والمجتمعات المدنية والناشطون البيئيون ينادون بتحقيق العدالة المناخية كجزء من تحقيق العدالة الاجتماعية؛ خاصة مع تصاعد الأزمة المناخية التي لا تستطيع كل المجتمعات التصدي لها بنفس الكفاءة؛ فهناك مجتمعات لا تستطيع ولا تملك من الإمكانات ما يؤهلها لمواجهة أزمة كهذه. ولعل أبرز الأسباب وراء ذلك هو عدم توافر التمويل المناخي اللازم لدعم مشاريع التكيّف والتخفيف من آثار تغير المناخ.
لكن حتى مع توافر التمويل، تظهر بعض الانحيازات في توزيع التمويل المناخي؛ إذ تؤكد المادة رقم 9 من اتفاق باريس على أنّ الدول المتقدمة عليها أن توفر موارد مالية للدول النامية لدعمها لتحقيق التحوّل العادل والتكيف مع التغيرات المناخية. مع ذلك، تظهر بعض الأنماط اللافتة التي لها جذور تاريخية واستعمارية؛ إذ يوضح المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، هشام عيسى، لـ"العين الإخبارية" أنّ "آليات التمويل التمويل المنصوص عليها في اتفاقيات تغير المناخ، لم يتم تنفيذها بالشكل الذي يُحقق طموحات الدول النامية في تفعيل المادة 9 من اتفاق باريس حتى الآن".
تمويل ثنائي أم متعدد الأطراف؟
ينقسم التمويل المناخي من حيث مصارده إلى نوعين: التمويل الثنائي والتمويل متعدد الأطراف. أما عن التمويل متعدد الأطراف (Multilateral Climate Finance)؛ فهو التمويل الذي تُشرف عليه مؤسسات دولية، مثل: البنك الدولي، صندوق المناخ الأخضر وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وغالبًا يأتي التمويل من مجموعات الدول المانحة، وتتولى تلك المؤسسات دور مراجعة طلبات المشاريع المُقدمة من الدول النامية وتُقرر إذا كانت مستحقة للتمويل أم لا وتتابع التقدم المُحرز في المشاريع التي تمت الموافقة عليها. يتميز هذا التمويل متعدد الأطراف بوجود آليات تنظيمية وشفافية أعلى.
أما بالنسبة للتمويل الثنائي (Bilateral Climate Finance)؛ فيتم بين دولتين مباشرة، حيث تُقدم دولة مانحة الدعم لدولة أخرى مستفيدة، ويشرح هشام عيسى أنّ في سياق العمل المناخي "آليات التمويل تخضع إلى عناصر كثيرة عندما يأتي الأمر للتمويل المناخي، من بين تلك العناصر العلاقات السياسية بين الدول؛ فعلى سبيل المثال، نجد فرنسا تُوجه آليات التمويل إلى بلاد الفرانكفون؛ بغض الطرف عما إذا كانت هناك دول أخرى أكثر استحقاقًا للتمويل ولديها مشاريع فعّالة حقًا، نفس الأمر بالنسبة لبريطانيا التي توّجه بريطانيا دعمًا ماليًا لها".
بين الأنجلوفون والفرانكفون
أما دول الأنجلوفون (Anglophone)، أو كما يُطلق عليها في بعض الأحيان "العالم الناطق بالإنجليزية"؛ فهي الدول التي تعتمد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للدولة في جميع مجالات الدولة بدءًا من الإدارة وصولًا إلى الثقافة والتعليم، وأبرز تلك الدول المملكة المتحدة، وهي الأرض التي صدّرت اللغة الإنجليزية للعالم، وكذلك الولايات المتحدة وأستراليا وغيرهم، إضافة إلى بعض الدول الأفريقية مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا وغانا وغيرهم، وبعض من دول منطقة الكاريبي في جزر الهند الغربية البريطانية. ودول الفرانكفون (Francophone)، وهي الدول التي تستخدم اللغة الفرنسية كلغة رسمية في شؤونها، وتتركز أغلب الدول الفرانكفونية في أفريقيا وبعض الدول الأوروبية على رأسها فرنسا وبلجيكا.
أداة نفوذ
بالتدقيق قليلًا، نجد أنّ أغلب البلاد المشتركة في تبنّي اللغة الإنجليزية أو الفرنسية لديها جذور استعمارية مع دولتي بريطانيا وفرنسا، ونجحت هاتين الدولتين في فرض نفوذها وترسيخ لغتها وثقافتها لدى تلك الدول، وصاروا اليوم حلفاء، حتى في سياق العمل المناخي.
على الرغم من أنّ الرواية السائدة هي أنّ تقديم المساعدات المناخية هي عملًا خيريًا، إلا أنه قد يكون أداة قوية لفرض النفوذ؛ فالدول الأنجلوفونية تشترك في الدول المتقدمة المتحدثة بالإنجليزية ليس فقط في اللغة بل في المؤسسات والعلاقات الدبلوماسية والنظم القانونية والتعليم، وكل تلك العوامل تُسهل تداول التمويل، ويرجح فكرة أن تشابه الأنظمة تقود الدول العظمى لتوجيه التمويل نحو الدول الأنجلوفونية، نفس الحجة بالنسبة للدول الفرانكفونية.
مع ذلك، يواجه ذلك النهج العديد من الانتقادات، على رأسها، عدم وجود عدالة في توزيع التمويل المناخي والانحيازات السياسية بدلًا من مساعدة الدول المستحقة سواء كانت تتفق سياسيًا أو تختلف مع الدول المانحة، إضافة إلى استمرار النفوذ الاستعماري بصورة غير مباشرة. هذا يعني ببساطة أنّ بعض الدول الأكثر تضررًا من تأثيرات التغيرات المناخية، قد تحصل على تمويل أقل؛ لأنها نجحت في التخلص من النفوذ الاستعماري منذ زمن أو لأنها خارج دوائر النفوذ التقليدية للأنجلوفونية أو الفرانكفونية.