أنغولا ومبادرة خفض التصعيد بكينشاسا.. البنادق تنتظر كلمة السياسة
في محاولة لخفض التصعيد في الكونغو الديمقراطية بين القوات الحكومية وحركة 23 مارس، دخلت أنغولا على الخط، بمبادرة، اعتُبرت بمثابة «نافذة سياسية نادرة»، لكنها وجدت نفسها رهينة حسابات إقليمية معقدة.
واقترح الرئيس الأنغولي جواو لورنسو وقفًا لإطلاق النار ابتداءً من ظهر يوم 18 فبراير/شباط الجاري بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة 23 مارس، المدعومة من رواندا وفق اتهامات كينشاسا وتقارير دولية، بحسب صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.
تلك المبادرة التي لم تتحول بعد إلى اتفاق ملزم، قالت الرئاسة الأنغولية عنها إنها «تنتظر إعلانًا علنيًا بقبول التاريخ المقترح».
وجاءت هذه الخطوة عقب اجتماع رفيع المستوى ضمّ رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فليكس تشيسيكيدي، ووسيط الاتحاد الأفريقي الرئيس التوغولي فور إيسوزيمنا غناسينغبي، والرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو، في محاولة لإعادة إطلاق مسار الوساطة.
فما فرص نجاحها؟
يقول الباحث الأمريكي-الكونغولي المتخصص في شؤون النزاعات في منطقة البحيرات الكبرى، جيسون ستيرنز، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن أي هدنة لن تصمد ما لم تُعالج جذور الصراع المرتبطة بالهوية والموارد والعلاقات المتوترة مع رواندا، مشيرًا إلى أن أي وقف لإطلاق النار دون آلية رقابة دولية واضحة وضمانات أمنية متبادلة سيبقى عرضة للانهيار.
ورأى جيسون ستيرنز أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في التنافس العسكري، بل في بنية الدولة الهشة في شرق الكونغو، حيث تتعدد الجماعات المسلحة، وتتشابك المصالح الاقتصادية المرتبطة بالذهب والكولتان والقصدير.
بدورها، قالت الباحثة المالية المتخصصة في قضايا الأمن الإقليمي والساحل الأفريقي، نياغالي باجايوكو، في تصريحات لـ«العين الإخبارية»، إن المبادرة الأنغولية قد تشكل فرصة مهمة إذا ما اقترنت بإطلاق حوار داخلي شامل بين القوى الكونغولية، وهو ما أشارت إليه لواندا ضمن مقترحاتها السابقة بشأن «حوار بين الكونغوليين»، موضحة أن نجاح هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الأطراف كافة، إضافة إلى دعم إقليمي ودولي منسق.
واعتبرت الباحثة المالية، أن النزاع في شرق الكونغو لا ينفصل عن التحولات الأمنية الأوسع في أفريقيا، حيث تتشابك المصالح الإقليمية وشبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي العابر للحدود.
تحولات بموازين القوى
وربطت بين الصراع والسياق الإقليمي الأوسع، مشيرًة إلى أن منطقة البحيرات الكبرى والساحل الأفريقي تشهد تحولات في موازين القوى، مع تصاعد أدوار الفاعلين غير الحكوميين وتراجع قدرة الدول على ضبط الحدود.
وأضافت، أن النزاع في الكونغو أصبح جزءًا من «اقتصاد أمني عابر للحدود»، حيث تتداخل شبكات التهريب والتمويل غير المشروع مع الصراعات المحلية.
وأشارت إلى أنه بشكل عام فإن مبادرة وقف إطلاق النار تبدو خطوة إيجابية على المستوى الدبلوماسي، لكنها ليست سوى بداية طريق طويل نحو تسوية مستدام، معتبرة أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إسكات البنادق مؤقتًا، بل في معالجة الأسباب البنيوية للصراع، من تقاسم السلطة والموارد، إلى إصلاح القطاع الأمني، وبناء الثقة بين كينشاسا وجيرانها.
ويعيش شرق الكونغو منذ نحو ثلاثة عقود على وقع نزاعات متكررة، إلا أن عودة نشاط حركة 23 مارس منذ أواخر 2021 أعاد المنطقة إلى دائرة المواجهة المباشرة.
وقد سيطرت الحركة على مدينتي غوما وبوكافو خلال عام 2025، ما عزز نفوذها في إقليمي شمال وجنوب كيفو الغنيين بالموارد المعدنية.
ورغم توقيع اتفاق بين الكونغو الديمقراطية ورواندا في واشنطن خلال ديسمبر/كانون الأول الماضي، فإن القتال لم يتوقف، ما يعكس هشاشة التفاهمات السياسية أمام الوقائع الميدانية.