اعتقدنا أن العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون الخليجي سيوحد هذه المرة آراء كل المثقفين العرب من سياسيين وعسكريين وألا يمارسوا لعبتهم القديمة في تشويش العمل السياسي العربي..
على الأقل أن المسؤولين الإيرانيين أنفسهم اعترفوا بالعدوان على أمن واستقرار الدول الخليجية بل والاستمرار فيه، وهي نفسها جريمة أخرى.
لكن هذا لم يحدث للأسف وهو ما يعكس وجود خلل فكري لدى هؤلاء المثقفين العرب الذين يؤثرون بالتبعية على الرأي العام العربي حول مفهوم تعريف: الأمن القومي العربي الذي ظهر كفكرة مع إنشاء جامعة الدول العربية في عام 1945، وبرزت الحاجة إليه خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عند جمال عبدالناصر الذي ترك إرثاً فكرياً يعاني منه كل العرب.
من حيث المفردات، يتضح المعنى المقصود لمفهوم الأمن القومي العربي (أنه يمثل وطنا)، وأن أي تهديد تتعرض له دولة عربية من قبل طرف غير عربي فإنه يمس الجميع الذين ينبغي لهم التحرك للدفاع عن ذلك الجزء العربي حتى لا يتهدد الكل.
بل بُنيت نظريات الأمن القومي العربي على الخطر القادم من دول الجوار الجغرافي وإيران بالدرجة الأولى؛ لأنها أوضحت مطامعها في الدول العربية وأكد ذلك سلوكها السياسي من خلال التمدد في الدول العربية ومن خلال سلوك المليشيات التابعة لها التي هددت الأمن القومي العربي من الداخل العربي، ومع ذلك تجد بعض العرب من يرفض انتقاد ممارسات إيران.
"لا صوت يعلو على صوت الوطن في الأزمات"، هذه قاعدة وطنية تسري على جميع المواطنين في الدولة الواحدة وبما أن العالم العربي يمثل كياناً واحداً وفق مفهوم الأمن القومي العربي فإن من يخرج عن هذه القاعدة يفترض أن يكون ضمن قائمة "الخيانة"، لأن المعنى المقابل، أنه بمجرد تعرض دولة عربية لتهديد خارجي تختفي كل الاختلافات والخلافات السياسية لمواجهة العدو. وبالتالي فإن الأمر لا يحتاج إلى اجتهاد ومحاولة جر العالم العربي إلى صياغات قديمة لهذا المفهوم أو إيجاد تبريرات أيديولوجية تقلل من حجم الخطر والاعتداء.
هناك سببان لإعادة تعريف هذا الأمن. السبب الأول: أن يكون التعريف يتناسب والتغيرات الجيوسياسية الجديدة في المنطقة والعالم، بمعنى ما كان يتناسب مع "بقايا" مفهوم الأمن القومي الذي تم وضعه في فترة ما بعد العدوان الثلاثي عام 1956 في تحديد مصادر التهديد لم يعد مناسباً اليوم، فهناك فارق زمني لأكثر من نصف قرن. وبالتالي من المهم إسكات هذه الأصوات كي لا تشوش على العمل الوطني للحكومات، لأن المصيبة أن لهذه الأصوات بعضها سياسية وبعضها دينية أتباعا في المجتمعات يدينون لهم بالتبعية الفكرية.
والسبب الثاني: احترام عقلية الإنسان العربي وعدم تشتيت فكره وولائه، فالحديث النظري عن أن الأمن العربي "كل لا يتجزأ" وأي خطر على دولة عربية هو تهديد لهذا الأمن الجماعي لكن في أوقات الأزمات والشدة تجد من يقول "أمن الخليج ليست قضيتي". فالنتيجة أن هذا المواطن العربي يعيش صدمة ثقافية في تحديد انتمائه، لدرجة لا يعرف متى عليه أن يدافع عن وطنه الأم، ومتى يفرق بين وطنه الأم والقومية العربية ومثل هذا الأمر يؤثر على مسار العمل الوطني.
منذ الحادثة المتعلقة بالغزو العراقي للكويت في بدايات 1991 ومن يومها مفهوم الأمن القومي العربي أصابه شرخ، فبعض العرب وقفوا بجانب الاحتلال العراقي، ورغم محاولات ترقيع هذا الشرخ في أزمات أخرى كحادثة الربيع العربي ووقوف الدول الخليجية مع الأنظمة التي تعرضت للتهديد فإن هذا الشرخ توسع ويبدو أنه يزداد توسعاً يوماً بعد يوم إلى أن جاءت الأزمة الحالية التي أعادت طرح هذا المفهوم مرة ثانية.
وطنياً، لا يمكن المفاضلة بين عدوين في تهديد الأمن القومي، بل القاعدة الأساسية تنطلق من يعتدي على وطني اختار أن يكون عدوي. لكن المؤسف أن النظام الإيراني اختطف عقول بعض العرب من عملوا في مؤسسات وأكاديميات عربية وصاروا ينظرون لإيران باعتبارها الخطر الأصغر من الخطر الإسرائيلي الأكبر ويعتبرون هذه مقاربة موضوعية لتبرير الاعتداءات الإيرانية.
بعد الحرب الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران ستدخل المنطقة العربية كلها مرحلة جديدة من التفاعل الدولي يحتاج معه تحديد مفاهيم جديدة أحدها: مفهوم الأمن القومي ومن هم أعداء هذا الأمن.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة