أحياناً كثيرة، يمر عليك بعض من مواطني الدول العربية بعاطفة سياسية جياشة في حب بعضهم إلى درجة تعتقد أنهم لم يخطر على بالهم يوماً أنه يمكن أن يحدث خلاف بين دولهم، وكأنهم يعيشون في مدينة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون "الجمهورية الفاضلة".
هذا كله هو، نتيجة لحالة مزاج المواطن العربي المشحون بالمثاليات التي هي بعيدة كل البُعد عن التعامل السياسي بحيث يرددون بأن هذه الدول الـ22 تُمثل نسيجا وطنيا واحدا من حيث التكوين البشري، ومن حيث اللغة التي يتحدثون بها، وأيضاً من حيث التاريخ والثقافة الدينية مع أن هذا الاعتقاد غير صحيح لأنه لا يطابق منطق العلاقات الدولية.
وصف دولة "شقيقة" في عقلية الإنسان العربي تمثل علاقة ارتباطية إنسانية لا يمكن فكها بالخلافات أو الاختلافات وهذا الوصف لا يمكن إسقاطه على مفهوم العلاقة بين دولتين إلا في سبيل المجاملة الدبلوماسية، لأن الدول تحكمها المصالح ومصائر الشعب وليس العواطف والمشاعر، لذا عندما تتعرض العلاقات بين الدول العربية إلى خلاف بسيط يتحول الأمر إلى تصدع وشرخ في العلاقة وتصبح أكبر مما يمكن أن تحصل مع دولة أخرى غير عربية، فتجد الإنسان العربي يعيش حالة من الصدمة أو التوهان الذهني بين ما يطلق من وصف وبين الواقع الذي يراه من خلال وسائل الإعلام التي أصبحت إحدى أدوات إدارة الخلافات العربية وإشعالها للأسف.
لو استعرضنا التاريخ العربي الحديث، سنجد أنه مليء بالصراعات الداخلية لشعب دولة واحدة ربما لبنان خير مثال وكذلك اليمن والصومال ومؤخراً العراق، أما على مستوى الدول فأظن أنه منذ الستينيات من القرن الماضي وهناك تدخلات لبعض الدول العربية بهدف تغيير الأنظمة الملكية؛ فمعروف عن الرئيس المصري جمال عبدالناصر أنه كان يدعم الفكر القومي العربي لتغيير الأنظمة نجح ذلك في ليبيا والعراق وسوريا، وحاول أن يفعل ذلك في الخليج العربي من خلال دعمه لما يسمى بجبهة تحرير ظفار، أي أن الدول العربية حالها كحال باقي دول العالم بينها خلافات سياسية واختلافات على المصالح.
لكن الغريب في خلافاتنا أنه لم يعد حسمها يحتاج إلى أدوات المنطق والموضوعية أكثر مما يتطلب مهارات التطاول على الحكومات والزعامات والتهكم بين الشعوب، والتجريح على الرموز الوطنية، وعلى تحريض افتتاحيات الصحف. بل الأهم أن يكون لديك القدرة على إنكار ما قام به الطرف الآخر من إيجابيات من مواقف سياسية ومن عزائم الأمور بل والعمل على إقصائه من المشهد بالكامل؛ وهنا تكون قد وصلت قمة النجاح والتفوق، لدرجة أن الخلافات بين الدول العربية تكون أقرب إلى الخلافات الشعبية بسبب الشخصنة.
لست في مقام نبش الخلافات بين الدول العربية التي أراها أمرا طبيعيا ولكن أريد أن أتحدث عنه تداعيات عدم إدارة هذه الخلافات بالطريقة السياسية المسؤولة على الوضع العربي بأكمله وحول وصولنا إلى هذه الدرجة من الخصام مع أنه يمكن حلها بقرار سياسي بدل إطالتها لفترة زمنية بحيث يكبر الخلاف ويتعقد أكثر.
أول تلك التداعيات: أن طريقة إدارة الحكومات العربية للخلافات تكشف عن عجز إقليمي في وضع حدِ لتصاعده، بل يبين بطريقة فاضحة حال الوهن والتصدع الذي تعاني منه المنظمات الإقليمية الجامعة للعرب ولحظتها نعتقد أننا لسنا ذلك "الشعب الشقيق" الذي يمثل الحالة الواحدة لكل الدول العربية.
ثاني تلك التداعيات: أننا كعرب الذين نتغنى بالوحدة والتكامل هم أنفسهم من يتسببون في ضياع العديد من الفرص الاستراتيجية نتيجة لعدم قدرتنا على إدارة الاختلاف بالطريقة الصحيحة فاللحظة الحالية على سبيل المثال التي يحاول فيها الكل ترتيب وضعه للتغيرات الحاصلة في العالم والإقليم نجد العرب يهدرون طاقاتهم المادية والسياسية بدل إخضاعها في المشاركة في هذا التحول الجيوسياسي.
السؤال هنا، لماذا هذا التحول العربي على طرفي النقيض بين درجة أن تكون "الشقيق" إلى درجة الاستغراق في الفجور؟
ربما الإجابة هي: أن مزاج الشخصية العربية التي سمتها الأساسية أنها تفتقد إلى الموضوعية والعقلانية في تقدير طبيعة العلاقة سواءً على المستوى الفردي أو المستوى السياسي. وهذا هو ما يجعل من هذه الشخصية أنها في لحظات الاختلاف أو الخلاف متوترة وغاضبة وقابلة للاستثارة لأبسط الخلافات، ومن ثم تعمل هذه الشخصية على تضخيم أي نزاع أو خلاف لخلق نوع من العداء ضد الطرف الآخر إلى درجة أنها تحاول ألا تترك لديها فرصة أو ما يُقال (تترك الباب موارباً) لاستخدام وسائل التصالح والتوفيق لاحقاً.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة