ما نراه اليوم في بعض الخطابات المتداولة ليس تحليلًا سياسيًا ولا قراءة استراتيجية، بل تخلّيًا عن المسؤولية تحت غطاء التقنية.
الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة على الفهم، لا بديلًا عن العقل. لكن ما نراه في بعض الخطابات هو استخدامه كوسيط للهروب من التفكير وإنتاج نصوص متشابهة في لهجتها وبنيتها، هجومية في خلاصاتها، خالية من السياق والذاكرة، تبدأ بالنتيجة ثم يُعاد ترتيب الوقائع لخدمتها.
نحن لا نواجه أزمة تقنية، بقدر ما نواجه أزمة وعي لدى فئة تخلّت عن التفكير السياسي واستعارت نصوصًا جاهزة، ثم قدّمتها للجمهور بوصفها مواقف وتحليلات. المشكلة هنا ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في قرار بشري اختار الراحة الفكرية بدل تحمّل مسؤولية التحليل.
في السياسة، لا تُقاس القيمة بجمال اللغة، بل بسلامة المنطق. قد يكون النص متماسكًا لغويًا، لكنه فارغ استراتيجيًا إذا عجز عن قراءة التاريخ وفهم تشابك المصالح وتقدير حساسية العلاقات. الذكاء الاصطناعي لا يعرف معنى الشراكة، ولا يزن أثر الشيطنة، ولا يميّز بين تفكيك سياسة وإدانة دولة. وهذه ليست ثغرة تقنية، بل انعكاس لفجوة وعي لدى المستخدم.
يتحوّل الخطاب عندها إلى ضجيج بلا كلفة، يُستبدل الدليل باللغة التعبوية، والتحليل بالتوصيف، والسياسة بالصوت المرتفع. ويُطلب من الجمهور احترام النص لا لقوته، بل لأنه قيل بثقة تقنية، وكأن الثقة وحدها كافية لصناعة موقف.
النقد السياسي الحقيقي يفترض المخاطرة بالحجة، واحتمال الخطأ، والقبول بالمساءلة. أما الخطاب الذي يطلب حصانة أخلاقية، ويُجرّم السؤال، ثم يقدّم نفسه بوصفه (اتزانًا)، فهو ابتزاز معنوي مغلّف بلغة عقلانية كاذبة.
الخلاصة:
وفي لحظة إقليمية حساسة، هذا النوع من الخطاب لا يهاجم خصمًا متخيّلًا ولا يساند طرفًا على حساب آخر، بل يستنزف الثقة داخل البيت الواحد ويحوّل السياسة من قوة إدارة المصالح إلى مسابقة ضجيج.
الذكاء الاصطناعي لا يُنتج خطابًا خطيرًا، الخطر يبدأ حين يتنازل البعض عن العقل ويطالبنا باحترام النص.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة