اشتهر عالم السياسة الأمريكي ديفيد إيستون (1917–2014) بنموذجه التحليلي في دراسة النظم السياسية، المعروف بنموذج المدخلات والمخرجات، والذي يُدرَّس في معظم الجامعات العالمية بوصفه إطارًا لفهم العلاقة الديناميكية بين النظام السياسي والمجتمع (الشعب/الأمة).
ينطلق هذا النموذج من فكرة مركزية مفادها أن بقاء أي نظام سياسي واستقراره مرهون بقدرته على استيعاب مطالب الشعب وتحويلها إلى سياسات عامة ومخرجات فاعلة في بيئته الداخلية والخارجية. وتشمل هذه المطالب مجالات أساسية مثل: التعليم، الصحة، فرص العمل، التنمية، الأمن، العدالة، والكرامة الإنسانية، فضلًا عن تطلعات المجتمع المستقبلية.
كما يؤكد إيستون أن النظام السياسي لا يعمل في فراغ، بل ضمن بيئة خارجية تتشكل من العلاقات الدولية، والاتفاقيات، والتوازنات الإقليمية، وقنوات الاتصال والتعاون، وهي جميعها تفرض التزامات وواجبات على النظام، بقدر ما توفر له فرصًا لتحقيق مصالحه وأمنه.
وعندما يعجز النظام عن تحويل المدخلات المجتمعية للشعب إلى سياسات تستجيب لتلك المطالب، تبدأ عملية تآكل داخلي تدريجي في شرعيته، تنتهي غالبًا بأحد ثلاثة مسارات: انقلاب، ثورة، أو تفكك بطيء ومزمن. وفق هذا المنظور التحليلي، يمكن قراءة التجربة الإيرانية المعاصرة بوصفها حالة نموذجية لانفصال النظام عن بيئته الداخلية، أي عن مجتمعه وشعبه.
من الثورة الشعبية إلى الدولة الثيوقراطية
نشأ النظام الإيراني الحديث عبر مسار سياسي براغماتي أكثر منه ثوريًا خالصًا. فقد أقرّ أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية الإيرانية بعد سقوط الشاه، بأن الخميني كان قد أبدى دعمًا غير مباشر لنظام الشاه خلال احتجاجات عام 1963، خشية صعود التيارات القومية واليسارية. ورغم ما عُرف بـ"الثورة البيضاء" التي أطلقها الشاه، والتي شملت إصلاحات واسعة في قطاعات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، فإن الثورة الإيرانية اندلعت مدفوعة بمطالب الحرية، والعدالة، والمشاركة السياسية، والتنمية، وقد شاركت فيها أطياف سياسية واجتماعية متعددة: يسارية، شيوعية، قومية، ليبرالية، وإسلامية، إضافة إلى أعراق وقوميات مختلفة داخل الشعب الإيراني.
غير أن الخميني استطاع، بمهارة سياسية وتنظيمية، اختطاف الثورة الشعبية وتحويل مسارها، عبر السيطرة على أجهزة الأمن، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة، وكتابة دستور جديد يكرّس ولاية الفقيه، إلى جانب توظيف الخطاب الديني التعبوي لحشد القوى الإسلامية. كما شكّل اندلاع الحرب مع العراق عاملًا حاسمًا في تشتيت الخصوم الداخليين وتعزيز التماسك المؤقت حول النظام الجديد.
وهكذا تحولت الثورة الشعبية إلى نظام ديني مغلق، بينما بقيت مطالب الإيرانيين الجوهرية من العدالة، والحرية، وتوزيع الثروة، وتحسين مستوى المعيشة قائمة كما كانت في عهد الشاه، ولكن هذه المرة ضمن بنية قمعية دينية تربط الشرعية السياسية بالقداسة، وتُديّن الحياة اليومية، وتُعبّئ الفئات الفقيرة بوصفها قاعدة اجتماعية للنظام.
التمدد المذهبي وتجاوز الدولة القومية
لم يكتفِ النظام الإيراني بإعادة تشكيل الداخل، بل تبنّى منذ بداياته سياسة تصدير الثورة باعتبارها ركيزة من ركائز سياسته الخارجية، متجاوزًا بذلك مفهوم الدولة القومية وحدود السيادة الوطنية.
وقد تحقق هذا التمدد عبر توظيف اللغة المذهبية، واستدعاء سرديات المظلومية التاريخية، وبناء شبكات ولاء عابرة للحدود، وتشكيل مجتمعات شيعية مرتبطة سياسيًا وأيديولوجيًا بطهران، ومن صور الارتباط زكاة الخمس لقم.
بلغ هذا النفوذ ذروته بعد عام 2003 في العراق، حيث تشكّلت تبعية سياسية – مذهبية لا تقوم على القوة العسكرية فقط، بل على بنية عقدية ولغوية تعيد تعريف الانتماء والولاء خارج إطار المواطنة الوطنية. هنا لا تُستخدم العقيدة كدين فحسب، بل كأداة تنظيم سياسي تعبوي تُبرّر الهيمنة، وتعيد رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة.
البعد الدولي: من الأيديولوجيا إلى منطق المصالح
يقدّم الباحث تريتا بارسي مقاربة مغايرة ترى أن العلاقة بين إيران، وإسرائيل، والولايات المتحدة محكومة في جوهرها بمنطق المصالح الجيوسياسية لا بالصراع الأيديولوجي؛ فالأطراف الثلاثة-وفق هذا الطرح- تتقاطع عند هدف منع تشكّل قوة عربية مركزية مهيمنة في الشرق الأوسط.
بناءً على ذلك، فإن الصراع الدائر ليس صراع قيم بقدر ما هو صراع أدوار ونفوذ. غير أن قدرة النظام الإيراني على الاستمرار في لعب هذا الدور البراغماتي باتت موضع شك، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية، وعلى رأسها التطبيع العربي والخليجي مع إسرائيل، الذي أسهم في إعادة صياغة منظومة الأمن الإقليمي، وتقليص هامش الحركة الإيرانية. بهذا المعنى، تكون طهران قد أسهمت في توفير المبررات السياسية والأمنية لقبول علاقات عربية–إسرائيلية، على حساب دورها الإقليمي.
وفي السياق ذاته، يشهد المجلس الوطني الإيراني–الأمريكي (NIAC) انتقادات متزايدة من الجالية الإيرانية في الولايات المتحدة، التي ترى أنه لا يمثل تطلعات الشعب الإيراني، بل يعبّر عن مصالح نظام فقد شرعيته.
الداخل الإيراني: مجتمع صلب ونظام هش
شهدت إيران موجات احتجاج متكررة أعوام 2009، 2017، 2018، 2019، و2022، وما يحدث في وقتنا الحالي، وكان أبرزها الاحتجاجات التي اندلعت عقب مقتل مهسا أميني، والتي كشفت بوضوح اتساع الفجوة بين المجتمع والنظام.
ومازال اعتماد السلطة على الرد الأمني بدل الإصلاح السياسي يعمّق الأزمة البنيوية، والذي بدوره أنتج معادلة مفارِقة وهي "مجتمع متماسك في مطالبه، في مقابل نظام متصلّب في أدواته".
التصورات المستقبلية المحتملة
1. الانهيار التدريجي المنضبط:
تآكل بطيء للسلطة بفعل الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات المتواصلة، مع انقسامات داخل النخبة، قد يقود إلى إعادة تشكيل النظام بصيغة "جمهورية معدّلة"، وتقليص الدور الديني المذهبي، وانفتاح تفاوضي على المجتمع الدولي. وفي هذا السيناريو، يُعوّل على دور المؤسسة العسكرية والشرطية وتحولها إلى القومية لتحافظ على وحدة الدولة.
2. الانهيار المفاجئ:
تصاعد الاحتجاجات والعصيان المدني إلى حد فقدان السيطرة وانهيار أمني سريع، يليه فراغ سياسي مؤقت وتدخلات غير مباشرة لحماية المصالح الدولية، مع مخاطر عالية للفوضى والصراع الهوياتي.
3. عسكرة الدولة:
سقوط الغطاء الديني وبقاء القوة، حيث يفرض الحرس الثوري نظامًا قوميًّا–عسكريًّا بذريعة حماية الدولة، بما قد يقود إلى استبداد أشد وانفجارات اجتماعية لاحقة.
4. التفكك الجغرافي–العرقي:
ضعف المركز وصعود الهويات المحلية في الأقاليم، بما يفتح الباب أمام صراعات داخلية وتدخلات إقليمية، ويُفضي إلى تقسيم إيران إلى أقاليم تعكس تعدد هوياتها. وهو سيناريو عالي الخطورة.
5. الانتقال المدني الديمقراطي:
سقوط النظام مع بقاء مؤسسات الدولة، وبدء مسار دستوري وانتخابي يقود إلى نظام مدني. ورغم أنه السيناريو الأمثل، إلا أنه يبدو بعيد المنال من المنظور الواقعي لوضع إيران.
الخلاصة: وفقًا لفكر إيستون، لا يُقاس بقاء النظام بقدرته على القمع، بل بقدرته على الاستيعاب والتكيّف. وسقوط النظام الإيراني لن تحدده إرادة الشعب وحدها—رغم كونها العامل الحاسم—بل أيضًا مواقف الحرس الثوري، والنخب الاقتصادية، والدينية، والوطنية، والعلمانية، وقوة تنظيم الهويات والأعراق، حقيقةً، تكمن أخطر المراحل هي مرحلة ما بعد الانهيار، نظرًا لحجم إيران، وتعدد هويات شعبها، وثقلها الجيوسياسي. فأي تحول داخلي فيها سيكون زلزالًا إقليميًا ودوليًا يتجاوز حدودها. ومع ذلك، يبقى الثابت أن الشعب الإيراني، بكل تنوعه، يستحق الحياة والتطور بعيدًا عن أغلال المذهبية السياسية التي استنزفت موارده، وأفقرت مجتمعه، وبددت تطلعات أجياله في سبيل وهم عقدي يتصادم مع منطق الدولة الحديثة والمنظومة الدولية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة