عندما يكون الحديث عن الذكاء الاصطناعي ورؤية دولة الإمارات المستقبلية حوله، تتبادر إلى الأذهان عدة تساؤلات من أهمها، كيف استطاعت دولة شابة نسبياً أن تضع نفسها في قلب الثورة التكنولوجية العالمية؟
بل هناك أسئلة يمكن أن نطلق عليها بكل صراحة أنها سطحية مثل: هل تحتاج دولة نفطية الدخول في هذا المجال والخوض فيه وبل هل يمكنها الاستمرار؟ في الحقيقة بين هذه الأسئلة وغيرها تتكشف الفجوة الكبرى في الفكر: هناك مَن يفهم العالم كما يتغير وإلى أين يتجه؟ وهناك مَن يصر على فهمه كما كان، اعتقاداً منه أنه توقف حيث هو.
من يعرف دولة الإمارات ورؤيتها وأسلوب تفكيرها سيعرف أنها لم تدخل عالم الذكاء الاصطناعي من باب الترف ولا من باب "الموضة" أو التقليد الأعمى، بل هو إدراك إماراتي مبكر، لأن الدول التي لا تجدد ولا تعيد تعريف مصادر قوتها مصيرها التهميش.
لذا الرؤية والطموح الإماراتي جعلاها تتبنى مبكراً رؤية واستراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي، لترسيخ موقع الدولة كمركز عالمي يطور ويوظف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي والاقتصاد والخدمات الحكومية، بالإضافة إلى استحداثها منصب وزير دولة للذكاء الاصطناعي، وهذا يثبت بشكل قاطع الإدراك المبكر لأهمية الذكاء الاصطناعي في المستقبل.
في الواقع، العالم لا يُدار بالنفط ولا بالتجارة والاستثمارات، ولا حتى بالتحالفات السياسية ولا التكتلات الاقتصادية وحدها، لأن من يدرك الواقع ويستشرف المستقبل يعلم أنه لا بد من الأخذ والحرص على امتلاك العلم والمعرفة، بالإضافة إلى صناعة الخوارزميات التي من المتوقع أن تكون مؤثرة، بل هناك من يتوقع أنها هي من سيدير الاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة في المستقبل.
الذكاء الاصطناعي في التجربة الإماراتية مشروع دولة وليس مجرد برنامج تقني، فالإمارات أنشأت البنية التحتية الرقمية مبكراً، وطورت التعليم، ونوّعت الاقتصاد، وأنشأت مشاريع عالمية مثل مراكز البيانات العملاقة التي تخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقامت ببناء شراكات بحثية، في الواقع، هي هيأت الأرضية لمرحلة يصبح فيها حتى القرار السياسي مدعوماً بالبيانات والتحليلات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
هنا، أنا لا أتحدث عن حكومة تقدم خدمات رقمية ولا أسرع إنجاز للمعاملات، بل الموضوع أكبر وأعمق، هنا، نتحدث عن نموذج حكم وقيادة أكثر قدرة على استشراف المستقبل والتنبؤ بالأزمات قبل وقوعها، بحيث يتم توجيه الموارد بكفاءة أعلى، وبناء سياسات تستند إلى المعرفة لا إلى الحدس وقرارات مخطط لها لا ردة فعل.
كالعادة، لا يخلو المشهد من أصوات تحاول التقليل من هذا التحول، منهم مَن يرى الذكاء الاصطناعي مجرد "موضة عابرة"، والبعض يعتقد أننا لسنا مهيئين لهذه التحولات، هذه الأصوات هي نفسها من كانت تعتقد أننا لا نستطيع بناء مدن عالمية، ولا يمكننا تنويع الاقتصاد، ولا يمكننا الاستثمار في الإنسان، وغيرها الكثير من العبارات والأقوال التشاؤمية، واليوم، كأن التاريخ يعيد نفسه، لكن هذا لا يهم.
نحن نعي أن التحول والتطور الإيجابي لا يُقاس فقط بالأرقام والإحصائيات، لأن النجاح في الدول هو عبارة عن منظومة متكاملة ومترابطة بدأ من قدرة الدولة على بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار، وتشريعيات مرنة، والاستثمار في التعليم، هذه العناصر جعلت دولة الإمارات جاذبة للعقول والكفاءات، وهذه النقطة تحديدا تثير حساسية لدى البعض الذين اعتادوا النظر إلى النجاح الإماراتي باعتباره تهديداً بدل أن يروه نموذجاً يمكن الاستفادة والتعلم منه بل وتقليده.
في المقابل، لم تغفل دولة الإمارات عن التحديات الأخلاقية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي فهي على وعي عميق بها، دول "عالم الذكاء الاصطناعي" تناقش قضايا الخصوصية، وتدرس التحيزات الخوارزمية، وتتابع تأثير التكنولوجيا على المجتمعات وعلى الفرص الوظيفية، الدولة التي تدخل هذا العالم تتشارك النقاشات، بالتالي هي من تضع الأطر التنظيمية والتشريعية، وهذا يمكنها من إدارة التحولات، وبالتالي تكون أقل عرضة للأزمات.
أما في الجانب السياسي، فيمكننا قراءة تجربة دولة الإمارات في الذكاء الاصطناعي باعتبارها جزءاً من استراتيجيتها لتعزيز القوة الناعمة، لأنه في عصر الذكاء الاصطناعي الدول التي تمتلك التكنولوجيا تمتلك القدرة على التأثير، اقتصادياً وثقافياً وفكرياً، فدولة الإمارات، التي بنت نموذجاً فريداً في التسامح والانفتاح والتعايش، تضيف اليوم بُعداً جديداً لقوتها الناعمة عبر الاستثمار في المستقبل، وهذا ما يميز دولة الإمارات: اتخاذ قرارات جريئة مدروسة وواقعية يمكن تنفيذها.
ومع ذلك، الطريق لا يخلو من التحديات. فالمنافسة الدولية تتصاعد، والدول الكبرى تستثمر بكثافة في البحث والتطوير، والاستمرارية في الابتكار تحتاج إلى جهد وفكر، والمنافسة على جذب المواهب تشتد، ولا بد من تحديث دائم للسياسات.
وبالتالي في مقابل امتيازات الذكاء الاصطناعي هناك تحديات ومنافسة، طبعاً دولة الإمارات تدرك ذلك، لذا هي تستثمر في الشراكات الدولية، وتعزز حضورها في المنصات العالمية، وتبني جسور التعاون العلمي، فهي تسعى لتحويل الذكاء الاصطناعي ليكون داعما اقتصاديا ومعرفيا يعزز من مكانتها في الاقتصاد العالمي المستقبلي.
باختصار، لفهم تجربة دولة الإمارات في الذكاء الاصطناعي، يجب معرفة وفهم فلسفة الحكم فيها، الإمارات دولة تؤمن بأن الاستقرار لا يتحقق بالجمود، بل بالتجديد، وأن القوة لا تُقاس بما تملك اليوم، بل بما تستطيع امتلاكه غداً. هذا ما جعلها تدخل سباق المستقبل بثقة، دون ضجيج وشعارات، ودون تردد.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة