موجة غريبة تجتاح فرنسا.. لماذا بدأ الناس طلاء نوافذ منازلهم بالطباشير الأبيض؟
في مشهد قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، بدأت نوافذ آلاف المنازل في فرنسا تتحول إلى اللون الأبيض، في ظاهرة انتشرت بسرعة مع موجة الحر غير المسبوقة التي تضرب أوروبا خلال الأسابيع الأخيرة.
بينما قد يعتقد البعض أنها موضة جديدة أو عمل فني، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا، إذ يلجأ السكان إلى هذه الطريقة كحل بسيط ومنخفض التكلفة لمواجهة درجات الحرارة المرتفعة والحفاظ على برودة منازلهم.
وتعتمد الفكرة على استخدام مسحوق أبيض يُعرف باسم "بلان دو مودون" (Blanc de Meudon)، وهو مسحوق طبيعي مصنوع أساسًا من كربونات الكالسيوم، ويُستخرج تقليديًا من محاجر تقع في ضواحي العاصمة الفرنسية باريس. وعند خلطه بالماء ودهنه على زجاج النوافذ، يُكوّن طبقة بيضاء تعكس أشعة الشمس وتحد من انتقال الحرارة إلى داخل المنزل.
ما هو مسحوق "بلان دو مودون" شبيه الطباشير؟
يُعد "بلان دو مودون" مادة تقليدية استخدمت لعقود طويلة في أعمال البناء والترميم، حيث كان العمال يطليون به النوافذ والواجهات الزجاجية لحمايتها أثناء تنفيذ أعمال الصيانة.
لكن مع تصاعد موجات الحر في أوروبا، اكتشف أصحاب المنازل أن هذه المادة يمكن أن تؤدي دورًا جديدًا، يتمثل في تقليل كمية أشعة الشمس التي تخترق الزجاج، ما يساعد على خفض درجات الحرارة داخل الغرف دون الحاجة إلى تشغيل أجهزة التكييف لساعات طويلة.
ويمتاز هذا المسحوق بأنه منخفض الثمن، وسهل الاستخدام، كما يمكن إزالته بسهولة بمجرد غسله بالماء بعد انتهاء موجة الحر، وهو ما جعله خيارًا عمليًا للكثير من الأسر.
إقبال غير مسبوق ونفاد المنتج من الأسواق
ومع استمرار درجات الحرارة القياسية في فرنسا، شهدت متاجر مستلزمات البناء والأدوات المنزلية إقبالًا هائلًا على شراء هذا المسحوق، حتى أصبحت بعض الصحف الفرنسية تشبه ما يحدث بحالة "الشراء بدافع الذعر" التي شهدها العالم على ورق المراحيض خلال جائحة كورونا.

وبحسب تقارير محلية، نفدت الكميات المتوفرة في عدد كبير من المتاجر، واضطر كثير من المواطنين إلى السفر إلى مدن مجاورة بحثًا عن المنتج بعد اختفائه من الأسواق.
وقال أحد المتسوقين لوسائل إعلام فرنسية إن زوجته زارت جميع متاجر الأدوات المنزلية في مدينتهم دون أن تجد العبوة المطلوبة، واضطر في النهاية إلى التوجه إلى مدينة أخرى لشرائها.
وأضاف أن العائلة كانت تعرف هذه الفكرة منذ موجة الحر السابقة، لكنها لم تشترِ المنتج في الوقت المناسب، قبل أن يختفي من المتاجر بالكامل.
هل تنجح هذه الطريقة بالفعل؟
ورغم الشعبية الكبيرة التي حققتها هذه الحيلة، فإن الباحثين يشيرون إلى عدم وجود دراسات علمية تناولت بشكل مباشر مدى كفاءة طلاء النوافذ بمسحوق "بلان دو مودون" في خفض درجات الحرارة داخل المنازل.
لكن توجد أبحاث عديدة تؤكد أن الأسطح البيضاء العاكسة، سواء في الطلاء أو مواد البناء، تساهم في تقليل امتصاص أشعة الشمس، وبالتالي تساعد على خفض درجات الحرارة داخل المباني.
فقد أظهرت إحدى الدراسات المنشورة في مجلة Urban Climate أن استخدام الطلاء الأبيض العاكس على أسطح المباني يمكن أن يخفض درجة الحرارة داخلها بما يصل إلى 1.75 درجة مئوية.
كما توصلت دراسة أخرى إلى أن هذه المواد لا تقتصر فوائدها على تبريد المبنى نفسه، بل قد تساهم أيضًا في خفض درجة حرارة البيئة المحيطة بما يصل إلى درجتين مئويتين، وهو ما يساعد في الحد من ظاهرة "الجزر الحرارية" داخل المدن.
لماذا يفضله السكان؟
ورغم أن مسحوق "بلان دو مودون" لا يمتلك القدرة العاكسة نفسها التي تتميز بها الدهانات الصناعية المتطورة، فإنه يتمتع بعدة مزايا جعلته يحظى بشعبية واسعة.
فهو رخيص الثمن مقارنة بحلول التبريد الأخرى، ولا يحتاج إلى معدات خاصة لتطبيقه، كما يمكن تنظيفه بسهولة بعد انتهاء الصيف، دون أن يترك آثارًا دائمة على الزجاج.
وتأتي هذه الظاهرة في وقت تشهد فيه أوروبا واحدة من أشد موجات الحر خلال السنوات الأخيرة، ما دفع السكان إلى البحث عن وسائل بسيطة وفعالة لتخفيف الحرارة وتقليل استهلاك الكهرباء، خاصة مع ارتفاع تكاليف تشغيل أجهزة التكييف.

حل مؤقت في مواجهة صيف أكثر قسوة
ويرى خبراء أن انتشار هذه الفكرة يعكس حجم التحديات التي تفرضها التغيرات المناخية، إذ أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وأشد قسوة من السابق، ما يدفع الأفراد إلى ابتكار حلول منزلية سريعة للتكيف مع الظروف الجديدة.
ورغم أن طلاء النوافذ باللون الأبيض قد يبدو غريبًا لمن يراه لأول مرة، فإنه بالنسبة لكثير من الفرنسيين تحول إلى وسيلة عملية لتخفيف حرارة المنازل خلال فصل الصيف، في انتظار انكسار موجة الحر وعودة درجات الحرارة إلى معدلاتها الطبيعية.