محطة براكة.. صرح عربي رائد للطاقة النووية في أرض الإمارات
تجسد محطة براكة للطاقة النووية نموذجا بارزا للإنجاز الهندسي في إنتاج الطاقة النووية السلمية، بوصفها الأولى من نوعها في العالم العربي.
وتقع المحطة في قلب صحراء الإمارات، على بُعد مئات الكيلومترات من العاصمة أبوظبي، ضمن منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي، مطلةً على الخليج العربي، وعلى مسافة تقارب 53 كيلومتراً جنوب غربي مدينة الظنة.
أكبر مصدر منفرد للطاقة في الإمارات
وتُعد محطات براكة أكبر مصدر منفرد للكهرباء في دولة الإمارات، إذ تنتج مفاعلاتها الأربعة المتقدمة من طراز (APR1400) نحو 40 تيراواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنوياً، بما يغطي 25% من احتياجات الدولة من الكهرباء، وفقاً لـمؤسَّسة الإمارات للطاقة النووية.
وفيما يلي نستعرض كيف أُنشئت هذه المحطة الرائدة في قطاع الطاقة النووية.
قصة تشييد الصرح الرائد
بدأت القصة عام 2008، عندما اتخذت القيادة الإماراتية قراراً استراتيجياً بإطلاق «السياسة الوطنية للطاقة النووية السلمية»، بهدف توفير مصدر طاقة نظيف ومستدام يدعم التنمية المستقبلية للدولة.
وبعد سلسلة من الدراسات المتخصصة، وقع الاختيار على منطقة الظفرة في إمارة أبوظبي لاستضافة المشروع.
ولم يكن اختيار الموقع عشوائياً، بل استند إلى تقييم دقيق لعوامل بيئية وتقنية وتجارية متعددة.
فقد شكّل التاريخ الزلزالي للمنطقة، والابتعاد عن التجمعات السكانية الكثيفة، عنصرين أساسيين لضمان أعلى مستويات السلامة والأمان.

كما لعب القرب من مصادر المياه دوراً محورياً في تلبية متطلبات التشغيل، إلى جانب مساهمة البنية التحتية القائمة، من شبكات كهرباء ومرافق حيوية، في تعزيز جاهزية الموقع لاستقبال هذا المشروع الضخم.
وفي عام 2009، انطلقت أولى الخطوات التنفيذية لمشروع محطة براكة، بعدما وقّعت الإمارات عقداً مع شركة KEPCO لبناء أربعة مفاعلات نووية حديثة من طراز APR-1400، باستثمارات تجاوزت 20 مليار دولار.
وفي يوليو/تموز 2010، أصدرت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في الإمارات وهيئة البيئة – أبوظبي رخصتين للبدء بالأعمال الأولية في محطات براكة.
وتبع ذلك ثلاث سنوات من التحضيرات المكثفة، شملت دراسات إنشائية دقيقة، ومخططات هندسية متكاملة، وتصاريح تنظيمية صدرت وفق إجراءات صارمة، تمهيداً لانطلاق مرحلة البناء.
بدء أعمال التشييد
وفي عام 2012، بدأت أعمال التشييد في واحد من أكبر مشاريع إنشاء محطات الطاقة النووية على مستوى العالم، بمشاركة آلاف المهندسين والخبراء من أكثر من 50 دولة.
واستغرقت أعمال البناء ثماني سنوات من العمل المتواصل، خضعت خلالها المحطة لأكثر من 300 اختبار أمان، لضمان تشغيلها وفق أعلى المعايير الدولية، في منشأة تُعد من بين الأكثر تعقيداً على المستوى الهندسي.

البنية الأساسية وعدد المفاعلات
وشُيّد الأساس الذي تقوم عليه مفاعلات المحطة باستخدام أكثر من 2.5 مليون متر مكعب من الخرسانة، فيما تضم المحطة أربعة مفاعلات نووية.
كما استُثمر ما يصل إلى 325 مليون ساعة عمل في بناء هذا الصرح العملاق، إلى جانب استخدام أكثر من 279 ألف طن من حديد التسليح، في تصميم يهدف إلى توفير واحدة من أكثر المنشآت النووية أماناً في العالم.
أما البنية التحتية تحت الأرض، فتضم شبكة معقدة من الكابلات تمتد لمسافة 11,301 كيلومتر من الأسلاك الكهربائية، وهي مسافة تتجاوز المسافة بين أبوظبي ونيويورك، ضمن نظام هندسي متكامل يضمن استدامة تشغيل المحطة.
وخلف هذه الأرقام، أسهم أكثر من 25 ألف موظف، عبر سنوات من العمل المتواصل، في تحويل هذه الرؤية إلى واقع.
وبعد سنوات من العمل الدؤوب، أعلنت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في دولة الإمارات، في 17 فبراير/شباط 2020، إصدار رخصة تشغيل الوحدة الأولى من محطة براكة للطاقة النووية لصالح شركة نواة للطاقة، الذراع التشغيلية لـمؤسَّسة الإمارات للطاقة النووية.
أول محطة طاقة نووية سلمية في الوطن العربي
وفي الأول من أغسطس/آب من العام نفسه، تحقق الإنجاز التاريخي بدخول مفاعل الوحدة الأولى مرحلة التشغيل، إيذاناً ببدء عصر جديد للطاقة في العالم العربي.
غير أن تشغيل الوحدة الأولى لم يكن سوى البداية، إذ تواصلت الجهود خلال السنوات التالية وفق رؤية تضع الاستدامة وأمن الطاقة في صدارة الأولويات. ومع كل خطوة، ومع تشغيل كل مفاعل جديد، اقتربت الإمارات من تحقيق إنجاز غير مسبوق في المنطقة.
وفي 5 سبتمبر/أيلول 2024، تحقق الإنجاز المنتظر بعد أكثر من عقد، عندما أعلنت مؤسَّسة الإمارات للطاقة النووية التشغيل التجاري للمفاعل الرابع في محطة براكة، ليكتمل بذلك تشغيل المفاعلات الأربعة، وتصبح المحطة النووية السلمية الأولى في العالم العربي التي تعمل بكامل طاقتها.
ومع التشغيل الكامل للمفاعلات الأربعة، تحولت محطة براكة للطاقة النووية إلى أحد أبرز مصادر الطاقة النظيفة في دولة الإمارات.
فبقدرة إنتاجية تبلغ 5600 ميغاواط، توفر المحطة 25% من احتياجات الدولة من الكهرباء، كما تسهم في خفض الانبعاثات الكربونية بنحو 22.4 مليون طن سنوياً، وهو ما يعادل إزالة 4.8 مليون سيارة من الطرق.
وتتولى شركة نواة للطاقة، التابعة لـمؤسَّسة الإمارات للطاقة النووية، مسؤولية تشغيل المحطة الواقعة في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي.
وأكدت مؤسَّسة الإمارات للطاقة النووية أن محطات براكة «تؤدي دوراً محورياً في تنويع مصادر الطاقة في الدولة، وتوفر كميات كبيرة من الكهرباء للمنازل والشركات والمنشآت الحكومية والصناعات الثقيلة، مع الإسهام في خفض البصمة الكربونية للدولة».