7.5 مليار دولار تبخرت خلال 43 شهرا.. نفط اليمن ينتظر العودة
يمثل النفط العمود الفقري للاقتصاد اليمني، ويظل استئناف تصديره أحد أبرز مفاتيح التعافي المالي واستقرار العملة، وسط تحركات حكومية جديدة لإحياء القطاع وإنهاء سنوات من التوقف والخسائر.
منذ أواخر عام 2022، يواجه الاقتصاد اليمني واحدة من أقسى أزماته، بعدما شلّت الهجمات الحوثية الموانئ النفطية، متسببة في خسائر بمليارات الدولارات، وتوقف أهم شريان للإيرادات العامة والعملات الأجنبية، بما عمّق الأزمة المالية وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الاقتصادية.
بين أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني 2022، تعرض ميناء "الضبة" في حضر موت لثلاث هجمات حوثية، فيما طالت 3 هجمات أخرى ميناءي "رضوم" و"قنا" في محافظة شبوة المجاورة، ما تسبب في توقف كامل لعمليات تصدير النفط لأكثر من 43 شهرا.
وتشير تقديرات حكومية إلى أن خسائر توقف صادرات النفط تجاوزت 7.5 مليار دولار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2022 وحتى مايو/أيار 2025 فقط. وكانت الصادرات النفطية تسهم بنحو 90% من إجمالي الصادرات السلعية، و80% من إجمالي إيرادات الموازنة العامة للدولة.

استئناف التصدير
منذ توقف تصدير النفط، فشلت جميع الجهود الأممية والإقليمية في استئناف التصدير، إذ اشترطت مليشيات الحوثي الحصول على 60% من العائدات النفطية لصرف رواتب مقاتليها، وهو ما ترفضه الحكومة اليمنية باعتباره يساهم في تمويل الحرب بالبلاد.
وفي محاولة لتقويض محاولات ابتزاز مليشيات الحوثي، بدأت الحكومة اليمنية مؤخرا طرح ملف النفط على الجانب الأمريكي، في مسعى لاستئناف التصدير، بحسب مصدر حكومي لـ"العين الإخبارية".

وأشار المصدر إلى لقاء رفيع المستوى عقده رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، الأحد، مع الرئيس التنفيذي لشركة "هنت" النفطية الأمريكية، هانتر هانت، باعتبارها الشركة التي أسهمت في تأسيس قطاع النفط اليمني، واكتشاف أول الاحتياطيات التجارية، وإنشاء البنية التحتية النفطية.
وقدم العليمي تعهدات بتوفير الضمانات اللازمة لعودة الشركات الأجنبية في مختلف القطاعات، وتقديم جميع أشكال الدعم والتسهيلات للمستثمرين، والعمل على تأمين المنشآت الحيوية، وتهيئة الظروف المناسبة لاستئناف الأنشطة الإنتاجية، باعتبارها أولوية قصوى للحكومة اليمنية وشركائها الإقليميين والدوليين.
ثرو نفطية ضخمة
وبلغ عدد القطاعات النفطية الاستكشافية حتى نهاية عام 2014 نحو 20 قطاعا استكشافيا، قبل أن ينخفض إلى 11 قطاعا مع نهاية عام 2020، نتيجة انسحاب عدد من الشركات النفطية المشغلة.
وبينما يوجد في اليمن 13 حوضا رسوبيا، لا يُستغل منها حتى الآن سوى حوضين فقط، بنسبة لا تتجاوز 20% من إجمالي الخريطة النفطية، وفقا لتقارير محلية ودولية.

ويوجد في اليمن 3 موانئ لتصدير النفط الخام، هي ميناء رأس عيسى، المتوقف منذ أواخر عام 2014 إثر سيطرة الحوثيين عليه، إضافة إلى ميناءي الضبة والنشيمة على بحر العرب، اللذين توقفا منذ استهدافهما من قبل المليشيات أواخر عام 2022.
كما يوجد ميناء رابع لتصدير الغاز الطبيعي المسال، هو ميناء بلحاف، والمتوقف بسبب ظروف الحرب.
تشغيل المصافي المحلية
تُعد عائدات النفط أهم مصادر تدفق العملة الصعبة، إذ تغذي الاحتياطيات الخارجية من النقد الأجنبي، وتمول واردات السلع الغذائية وغير الغذائية، وتدعم استقرار سعر الصرف في اليمن.
وبحسب أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة عدن، الدكتور سامي نعمان، فإنه "يمكن للحكومة اليمنية تعويض قيمة النفط غير المُصدر من خلال الإسراع بإعادة تشغيل مصافي عدن، وإنشاء مصاف في حضر موت وشبوة لتكرير النفط المحلي وبيعه داخل السوق، خاصة أن اليمن يبيع النفط محليًا دون دعم وبالسعر العالمي".
وأشار الخبير الاقتصادي، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى أنه "حتى وإن كانت هناك صعوبات في إعادة تصدير النفط، فإنه يمكن للحكومة استغلال النفط المحلي لتغطية جزء من احتياجات السوق وتحقيق موارد للدولة".

وأوضح أن الحكومة اليمنية تسعى خلال عام 2026 إلى "تحقيق التوازن بين الإيرادات والنفقات، ولعل قرار زيادة سعر صرف الدولار الجمركي كان إحدى الوسائل لتغطية العجز في الإيرادات وزيادتها بما يغطي النفقات".
ولفت نعمان إلى أن "المحادثات الحكومية مع شركة هنت الأمريكية شملت الاستكشاف والتنقيب عن النفط، وهي عملية تستغرق ما لا يقل عن 18 شهرا، ولا تتعلق باستئناف تصدير النفط".
وتشير تقارير وأبحاث إلى أن اليمن يستهلك 100734 برميلا من النفط يوميا، وفق بيانات عام 2024، فيما تمتلك البلاد احتياطيات نفطية مؤكدة تبلغ 3 مليارات برميل حتى عام 2025، لتحتل المرتبة الـ27 عالميا، بما يمثل نحو 0.17% من إجمالي احتياطيات النفط العالمية.
تحسن سعر الصرف
وفي السياق، قالت الباحثة الاقتصادية اليمنية، ميرفت عبدالواسع، إن النفط ظل لعقود المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية منذ بدء الإنتاج التجاري عام 1986، مشيرة إلى أن توقف التصدير في أكتوبر/تشرين الأول 2022، إثر استهداف الحوثيين للموانئ، أدى إلى شل أهم شريان اقتصادي في البلاد.
وأوضحت عبدالواسع، في حديثها لـ"العين الإخبارية"، أن "الخسائر الاقتصادية امتدت لتشمل تراجع الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع الإنفاق الحكومي والاستثمار".
وأكدت أنه "في حال عودة صادرات النفط بصورة منتظمة، فمن المتوقع أن يتحسن سعر الصرف، وأن يسهم ذلك في زيادة تدفق الدولار والعملات الأجنبية إلى البنك المركزي في عدن، ورفع قدرة الحكومة على سداد التزاماتها وتمويل الواردات، إلى جانب تراجع معدلات التضخم".
لكن الباحثة أوضحت أن تصدير النفط وحده لن يكون كافيا لإعادة سعر الصرف إلى مستوياته السابقة، إذ يتوقف ذلك أيضا على حجم الإنتاج، واستقرار الأوضاع الأمنية، وتوحيد السياسات النقدية، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية.
وبشأن استعادة الحكومة لإيراداتها، قالت عبدالواسع إنها تستطيع "استعادة الإيرادات بمجرد استئناف التصدير، لكنها لن تعود إلى مستوياتها السابقة، لأن الأمر يتطلب أولا تشغيل الحقول المتوقفة بكامل طاقتها، والتنسيق مع الشركات المشغلة، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة، وضمان سلامة الموانئ من أي هجمات حوثية".
وأضافت أن "هناك عقبات تتمثل في ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وهو ما يجعل تكلفة التصدير مرتفعة، كما تتردد الشركات الأجنبية في العودة إلى الحقول واستئناف الإنتاج ما لم تحصل على ضمانات أمنية كافية".
سيناريوهات متوقعة
وحول السيناريوهات المتوقعة خلال عام 2026، طرحت الباحثة الاقتصادية عدة احتمالات، أبرزها عودة التصدير، والتوصل إلى تفاهمات بين الأطراف، واستئناف الإنتاج بكامل طاقته، بما ينعكس على تحسن الإيرادات العامة وسعر الصرف، وبدء مرحلة تعافٍ للاقتصاد.
أما السيناريو الآخر، وهو الأكثر واقعية من وجهة نظرها، فيتمثل في استمرار الوضع الراهن دون تصعيد، مع بقاء توقف التصدير، وهو ما يعني استمرار تقلبات سعر الصرف، وبقاء النمو الاقتصادي عند مستويات محدودة، ما لم تطرأ متغيرات جديدة تتيح إعادة تصدير النفط.