فن

"بلاك بانثر" الأعلى إيرادا في 2018 والأكثر تمردا على زمن "ترامب"

الإثنين 2018.12.24 05:29 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 177قراءة
  • 0 تعليق
ملصق فيلم بلاك بانثر

ملصق فيلم بلاك بانثر

يتصدر فيلم "بلاك بانثر" قائمة إيرادات أفلام عام 2018 بـ"1,347,071,259" دولارا، إلا أن ترتيبه الأول في قائمة الأعلى إيراداً هذا العام لن يكون الامتياز الوحيد له، إذ ينطوي أيضاً على مجموعة من نقاط التفرد التي تجعله واحداً من أهم الأفلام التي شهدتها هوليوود في تاريخها، ليس على صعيد صالات السينما وحسب، بل خارجها أيضاً.

 ولعلنا لا نبالغ بالقول إن الفيلم تجاوز حضوره السينمائي وبناءه الحكائي القائم على دراما "الأكشن" بكل ما فيها من عنف وقتال ودماء وقتل، ليثير على نحو غير مباشر قضايا مجتمعية وتاريخية وسياسية أيضاً.


يعد فيلم " Black Panther" أول فيلم في عالم Marvel السينمائي تقوم حكايته على بطل من أصحاب البشرة السمراء تلك الفرضية ستفتح بدورها الباب على كثير من القضايا التي تتعلق بأصحاب الأصول الأفريقية في عالم يحكمه أصحاب البشرة البيضاء.

لكن الفيلم لا يبدو معنياً بطرح السؤال العريض التقليدي الذي لطالما قاربته الدراما بالحديث عن معنى أن يكون المرء من أصحاب البشرة السمراء في عالم يمارس التمييز العنصري تجاهه، وهو بطبيعة الحال لن يدير ظهره للقضايا الشائكة التي تتعلق بهذا المعنى، ولكنه سيقاربها على نحو أكثر ذكاء من دون أن يخوض الصراعات التقليدية حولها.


ببساطة، يقلب "Black Panther" الطاولة على أساليب المعالجة النمطية لقضايا أصحاب الأصول الأفريقية المتعلقة بالعرق والهوية، وذلك بمقاربتها عبر دراما خيالية تدور أحداثها في مكان متخيل لا يمت للحقيقة بصلة، هي مملكة "واكاندا".

 ورغم أن ظاهر الحكاية يدور حول مملكة "واكاندا" الأفريقية المعزولة عن العالم التي تستخدم أحدث وسائل التكنولوجيا لامتلاكها معدن الـVibranium (معدن خيالي)، وتخوض بقيادة أميرها "تشالا" حربها ضد قوى معادية داخلية وخارجية يهددون أمنها واستقرارها، إلا أن واحداً من التأويلات الفكرية لتلك الحكاية يثير سؤالاً مفاداه: ماذا لو امتلك الأفارقة القوة التكنولوجية والعسكرية لتصحيح أوضاعهم، وتجاوز تاريخ وحشي عاشوه عانوا خلاله وما زالوا من القتل والرق والتمييز العنصري؟

بالطبع يحتاج أي تأويل فكري إلى سياق يبرر مشروعية طرحه، وهو في فيلم "Black Panther" مملكة سكانها من أصحاب البشرة السمراء يتعرضون لقوة معادية، أما ماهية هذا التأويل فيكتسب ملامحه عادة من مرجعيات في ذهن المشاهد تتعلق بحياة عاشها أو حيوات آخرين سمع عنها وشهدها.


مرجعية تأويل أحداث "Black Panther" وفرتها المصادفة حين تزامن عرض الفيلم مع حكم دونالد ترامب للولايات المتحدة الأمريكية وما عرف عنه من تصريحات عنصرية ضد الأفارقة في بلاده وفي العالم، ولعل تلك المصادفة لم توفر مرجعية فكرية لفيلم "Black Panther" وحسب، وإنما وضعته أيضاً في واجهة المقاومة لسياسات ترامب رغم أن الفيلم لا يتكلم بالسياسة.

كان من المقدر لفيلم "Black Panther" الذي أعلن عن نية تنفيذه في عام 2014 أن يكون جزءاً من البروباجندا الدعائية للولايات المتحدة الأمريكية في حقبة الرئيس السابق باراك أوباما كأول رئيس من أصول أفريقية يصل إلى البيت الأبيض، إذ رصد للفيلم ميزانية كبيرة لم تشهدها هوليوود من قبل لأفلام تتعلق بأصحاب الأصول الأفريقية، ولم يكن ممثلو الفيلم الأمريكي من أصحاب البشرة السمراء فقط، وإنما أتيحت الفرصة لآخرين من أصول أفريقية أيضاً للعمل في إدارة العملية الإنتاجية والفنية للفيلم، ومع عرض هذا الأخير في حقبة ترامب، بات الفيلم جزءاً من التيار المقاوم لسياساته.


 ذلك الأمر يجعلنا نفهم معنى أن يصلح الفن لكل زمان ومكان إذا لامس مرجعية ما عند مشاهديه، كما يصلح أن نستند إليه في تفسير جزء من أسباب نجاح فيلم "Black Panther" بوصفه الأعلى إيراداً في عام 2018، إذ كان تصدره قائمة أفلام هذا العام، أشبه برسالة احتجاج ضد ترامب، وتضامن مع أصحاب البشرة السمراء، بل برهان على تفوق الأفارقة السود الذي يصفهم الرئيس بالأغبياء، وهذا ما تؤكده إيرادات الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي بلغت "700,059,566" دولارا.

لم يختر فيلم "Black Panther" مكانه في واجهة السياسة وإنما شاءت له الظروف المرافقة لعرضه ذلك الدور، وبالتالي من الظالم أن نتعامل معه كعمل فني بمستوى رفيع يشهد عليه ما ناله من جوائز في عدد من المهرجانات العالمية، إذ حصد 4 جوائز في حفل توزيع جوائز إم تي في العالمية للسينما والتلفزيون؛ هي أفضل فيلم لعام 2018، وأفضل ممثل وأفضل بطل خارق للممثل تشادويك بوسيمان، وحصد النجم مايكل بي جوردان جائزة أفضل شخصية شريرة.


وترشح الفيلم للتنافس على نيل ألقاب (أفضل فيلم دراما، وأفضل موسيقى تصويرية، وأفضل أغنية) في الدورة الـ76، وجائزة جولدن جلوب المقرر الإعلان عنها في 7 يناير/كانون الثاني المقبل، ودخل الفيلم مؤخراً 4 من القوائم المختصرة لجوائز الأوسكار رقم 91، ضمن الفئات التسع التي أعلن عنها من أصل 24 فئة؛ هي: أفضل ماكياج وتصفيف الشعر، وأفضل موسيقى تصويرية، وأفضل أغنية، وأفضل مؤثرات بصرية. وها هي أرقام شباك التذاكر في الولايات المتحدة وخارجها تؤكد أن حكاية عن أصحاب البشرة السمراء، بوصفهم أبطالاً خارقين، من الممكن أن تحصد أرباحاً خيالية. 

كل ذلك يجعل من "Black Panther" نقطة تحول في هوليوود في حجم واتجاهات الأفلام الخاصة بأصحاب الأصول الأفريقية، بعد أن أثبتوا جدارتهم عبر هذا الفيلم في حصد الإيرادات والمنافسة في ترشيحات للجوائز العالمية الكبرى، فاستحق فيلم "Black Panther" أن يكون مفاجأة عام 2018 وواحدا من أهم أحداثه.


تعليقات