املأ واجرِ.. حرب إيران تدفع محطات البنزين البريطانية إلى الانهيار بسبب السرقة
تحولت محطات الوقود في بريطانيا إلى "ساحات معارك" يومية، حيث تسببت تداعيات الحرب في إيران في قفزات جنونية لأسعار المحروقات، ما جعل ملء خزان السيارة "عبئاً مالياً" لا يقدر عليه الكثيرون.
هذه الضغوط الاقتصادية ولدت ظاهرة إجرامية متسارعة تُعرف بـ"املأ واجرِ" (Drive-offs)، حيث يقوم السائقون بتزويد سياراتهم بالوقود ثم الانطلاق بأقصى سرعة دون دفع الفاتورة التي باتت تتجاوز الـ 100 جنيه إسترليني. ومع وصول هذه السرقات إلى مستويات قياسية، اضطر أصحاب المحطات الصغيرة، التي تعاني أصلاً من تآكل الأرباح، إلى ابتكار وسائل دفاعية شعبية وتكنولوجية لحماية مورد رزقهم من الانهيار تحت وطأة هذا الوباء الإجرامي.
تكتيك "البيجامة" وكاميرات المراقبة
رصدت كاميرات المراقبة في محطة "برايسور" بويلز نماذج غريبة من اللصوص، أبرزهم امرأة كانت ترتدي "بنطال بيجامة" وتقوم بملء سيارتها الـ "أودي" المتهالكة ببرود تام، بل ووصل بها الأمر إلى التلويح للكاميرا بسخرية قبل فرارها. ولم تتوقف عند محطة واحدة، بل تكرر ظهورها بنفس الملابس في محطات أخرى بعيدة، مما يشير إلى تحول السرقة من مجرد حاجة إلى "سلوك متكرر" ومستهتر. أصحاب المحطات أكدوا أن هؤلاء اللصوص يستغلون انشغال الموظفين وتزايد الزحام ليهربوا بمبالغ ضخمة، حيث أن قيمة الوقود المسروق ارتفعت بنسبة 46% نتيجة غلاء الأسعار، مما جعل كل عملية هروب تمثل خسارة قاسية لا يمكن تعويضها بسهولة.

قوة "فيسبوك" وعدالة القرويين
أمام عجز الإجراءات التقليدية، لجأت "جوديث تروتون" صاحبة إحدى المحطات المتضررة إلى "سلاح التواصل الاجتماعي"، حيث نشرت صور اللصوص وسياراتهم على فيسبوك، لتتحول القرية بأكملها إلى "فريق تحقيقات". لم يكتفِ القرويون بمشاركة المنشور، بل قاموا بتتبع شاحنة مشبوهة حتى شواطئ "بورث-ي-غيست"، وظلوا يراقبونها وأبلغوا الشرطة فوراً حتى تم استرداد الأموال. هذه "العدالة الشعبية" أثبتت فاعليتها في استعادة الحقوق، حيث أدرك اللصوص أن المجتمع المحلي لن يسامح في تخريب ممتلكات جيرانه، مما خلق درعاً بشرياً يحمي المتاجر الصغيرة التي باتت "فريسة سهلة" في ظل الأوضاع الراهنة.

لعنة "الأعطال" وندم اللصوص
في مفارقة تعكس "العدالة القدرية"، تعطلت سيارة أحد السارقين أثناء محاولته الفرار بعد نهب وقود بقيمة 68 جنيهاً إسترلينياً. ولأن بلاغ السرقة كان قد انتشر بفضل يقظة السكان، تعرفت شرطة المرور على السيارة فوراً وهي متوقفة على جانب الطريق. المثير للدهشة هو رد فعل السارق الذي انهار باكياً ومبديًا ندمه الشديد بمجرد مواجهته، مما يكشف عن حالة "اليأس الأخلاقي" التي وصل إليها البعض تحت ضغط الغلاء. تعكس هذه الحادثة كيف تلاحق "لعنة السرقات" أصحابها، وأن الرقابة المجتمعية والشرطية باتت تضيق الخناق على كل من يحاول استغلال الأزمة العالمية لتحقيق مكاسب غير قانونية.

فاتورة الحرب: ضريبة المليار جنيه
لا تقتصر الأزمة على السرقات فقط، بل تمتد لتشمل أزمة اقتصادية شاملة؛ حيث دفع السائقون البريطانيون مبالغ إضافية تقدر بنحو 2 مليار جنيه إسترليني عند المضخات منذ اندلاع حرب إيران في فبراير الماضي. الأسعار سجلت زيادات مرعبة، حيث ارتفع سعر خزان الديزل بمقدار 26 جنيهاً عما كان عليه قبل الحرب. هذه الأرقام الصادمة تفسر القفزة بنسبة 62% في جرائم "املأ واهرب"؛ فالوقود لم يعد مجرد خدمة، بل أصبح "عملة صعبة" تثير أطماع العصابات المنظمة وتدفع المواطنين العاديين نحو حافة الانزلاق الإجرامي، مما يضع مستقبل "الشارع التجاري" البريطاني في مهب الريح.