غضب في فوكلاند.. سكان الجزر يرفضون «لعبة المصالح» بين أمريكا وبريطانيا
عادت قضية جزر فوكلاند لواجهة التوترات الدولية مجددًا، بعدما اتهمت رئيسة حكومة الجزر، أندريا كلاوسن، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام ملف السيادة على الأرخبيل كورقة ضغط سياسية لمعاقبة بريطانيا على خلفية موقفها المتحفظ من حرب إيران.
ووصفت كلاوسن ما شهدته الأسابيع الأخيرة من تحركات وتصريحات أمريكية وأرجنتينية بأنها "مناورات سياسية مهينة"، معتبرة أن سكان الجزر يشعرون بأن مستقبلهم يُستخدم في لعبة مصالح دولية تتجاهل إرادتهم وحقهم في تقرير المصير.
وجاءت هذه التصريحات، وفقا لصحيفة ديلي ميل البريطانية، عقب تسريب مذكرة داخلية أمريكية الشهر الماضي أشارت إلى أن واشنطن قد "تعيد النظر" في دعمها التقليدي للموقف البريطاني بشأن سيادة الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي، على خلفية ما اعتبرته الإدارة الأمريكية ضعفًا في الدعم البريطاني للتحرك العسكري ضد إيران.
ورغم محاولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو احتواء الجدل، واصفًا الوثيقة المسربة بأنها "مجرد رسالة بريد إلكتروني" لا تعكس تحولًا رسميًا في السياسة الأمريكية، فإن تداعياتها السياسية كانت كافية لإشعال ردود فعل متسارعة في بوينس آيرس.

الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي استغل هذه الإشارات سريعًا ليجدد مطالبة بلاده بالسيادة على الجزر، المعروفة في الأرجنتين باسم "لاس مالفيناس"، مؤكدًا أن استعادتها تمثل أولوية وطنية.
وفي تصريحات حادة، شدد على أن الجزر "كانت وستبقى أرجنتينية"، فيما ذهبت نائبته فيكتوريا فيلارويل إلى أبعد من ذلك حين طالبت البريطانيين المقيمين هناك بالعودة إلى إنجلترا، معتبرة أن مسألة السيادة يجب أن تُحسم عبر مفاوضات مباشرة بين لندن وبوينس آيرس.
هذه التصريحات أثارت استياءً واسعًا في جزر فوكلاند، حيث أكدت كلاوسن أن مثل هذه المواقف تتجاهل بشكل صارخ إرادة سكان الجزر، الذين اختاروا بوضوح البقاء تحت السيادة البريطانية.
وأشارت إلى أن المجتمع المحلي، رغم صغر حجمه، يتمتع بهوية سياسية واضحة واستقلالية راسخة، مؤكدة أن سكان الجزر يعتبرون أنفسهم بريطانيين بصورة لا لبس فيها منذ عام 1833، وهو تاريخ سابق حتى لتأسيس الدولة الأرجنتينية الحديثة.
ويحمل هذا الملف إرثًا تاريخيًا بالغ الحساسية يعود إلى حرب فوكلاند عام 1982، حين اندلع نزاع عسكري قصير لكنه دموي بين بريطانيا والأرجنتين بعد محاولة بوينس آيرس السيطرة على الجزر بالقوة. وأسفر النزاع عن مقتل نحو 650 جنديًا أرجنتينيًا و255 جنديًا بريطانيًا قبل أن تنتهي الحرب باستسلام القوات الأرجنتينية واستعادة لندن السيطرة الكاملة على الأرخبيل.
وزاد من حدة التوترات رصد مجموعة قتالية بحرية أمريكية، تقودها حاملة الطائرات "يو إس إس نيميتز"، وهي تبحر مؤخرًا إلى جانب سفن حربية أرجنتينية في جنوب المحيط الأطلسي، في خطوة قالت واشنطن إنها تأتي ضمن إطار "التعاون الثنائي" مع الأرجنتين.
غير أن هذا التحرك أثار قلقًا داخل الجزر، خاصة في ظل توقيع بوينس آيرس مؤخرًا صفقة بملايين الجنيهات الاسترلينية لشراء مقاتلات من طراز إف-16، ما عزز المخاوف من مساعي أرجنتينية لإعادة بناء قدراتها العسكرية المرتبطة بالنزاع.
جاك فورد، عضو المجلس التشريعي لجزر فوكلاند، أكد أن التهديد الأرجنتيني لا يزال حاضرًا في وعي السكان، مشيرًا إلى وجود حالة توتر متزايدة داخل المجتمع المحلي. ووصف الجزر بأنها "دولة صغيرة مسالمة وديمقراطية تتعرض لضغوط من جار أكبر يسعى باستمرار إلى فرض أجندته السياسية".
في المقابل، سارعت الحكومة البريطانية إلى تأكيد موقفها الثابت، حيث شددت رئاسة الحكومة البريطانية أن سيادة الجزر "ليست محل نقاش"، وأن حق سكانها في تقرير مصيرهم يمثل حجر الأساس في السياسة البريطانية تجاه القضية.
وأكد متحدث رسمي أن لندن ستواصل الدفاع عن هذا المبدأ دون تغيير.
ويستند هذا الموقف إلى استفتاء أجري في مارس/آذار 2013، صوّت خلاله 99.8 % من سكان الجزر لصالح البقاء إقليمًا بريطانيًا ما وراء البحار، وهو ما تعتبره لندن تعبيرًا ديمقراطيًا حاسمًا عن إرادة السكان، بينما ترفضه الأرجنتين وتصفه بأنه تصويت غير ذي شرعية قانونية.
في خضم هذه التطورات، كشفت استطلاعات رأي حديثة عن تراجع الاهتمام الشعبي البريطاني بالقضية، خصوصًا بين الشباب، إذ أظهر استطلاع لمؤسسة "مور إن كومون" أن 9 % فقط من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا يرون أن بقاء فوكلاند تحت السيادة البريطانية أمر "بالغ الأهمية".
ومع ذلك، أظهر الاستطلاع ذاته أن 56 % من البريطانيين سيدعمون العمل العسكري إذا حاولت الأرجنتين الاستيلاء على الجزر بالقوة.
وبين التوترات الدبلوماسية والمخاوف الأمنية وتغير المزاج السياسي داخل بريطانيا، تبدو جزر فوكلاند مجددًا في قلب معادلة دولية معقدة، تتشابك فيها الحسابات الاستراتيجية الأمريكية مع الطموحات الأرجنتينية والمصالح البريطانية، بينما يتمسك سكان الأرخبيل بحقهم في تقرير مصيرهم بعيدًا عن صفقات القوى الكبرى ومناوراتها السياسية.