جزر فوكلاند.. مذكرة مسربة تكشف عن خطة ترامب «لمعاقبة» بريطانيا
تشهد العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تصعيداً غير مألوف، عقب تسريب مذكرة داخلية من وزارة الدفاع الأمريكية تشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب يدرس مراجعة دعم بلاده للسيادة البريطانية على جزر فوكلاند.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، قبل أيام فقط من زيارة مرتقبة للملك تشارلز الثالث إلى واشنطن، ما يهدد بإلقاء ظلال ثقيلة على جدول الزيارة الملكية وأجوائها الدبلوماسية، بحسب صحيفة "ديلي ميل".
ومن المقرر أن يصل الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى العاصمة واشنطن الإثنين المقبل، على أن يحضرا مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض في اليوم التالي.
لكن المذكرة الداخلية التي اطلعت عليها وكالة "رويترز" أشارت إلى أن الإدارة الأمريكية تجري مراجعة شاملة لدعمها الدبلوماسي لما وصفته بـ"الممتلكات الإمبراطورية" الأوروبية العريقة، وعلى رأسها جزر فوكلاند.
وتشير التسريبات إلى أن الإدارة الأمريكية تدرس أيضاً إجراءات عقابية أخرى، منها طرد إسبانيا من حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بسبب رفضها السماح للطائرات الأمريكية باستخدام قواعدها الجوية.
غضب عارم في لندن وتهديدات بـ"ازدراء ترامب"
في لندن، أثارت هذه الأنباء ردود فعل غاضبة على المستويين السياسي والشعبي. فقد أكد رئيس الوزراء كير ستارمر أن السيادة البريطانية على الجزر "غير قابلة للنقاش"، إلا أن حكومته بدت حذرة في التعاطي مع سيناريوهات التصعيد المحتملة، خصوصاً في ظل تساؤلات متزايدة حول جاهزية القدرات العسكرية البريطانية لحماية الأرخبيل في حال نشوب أزمة جديدة.
هذا التردد الحكومي فتح الباب أمام انتقادات حادة من شخصيات عسكرية سابقة ومحاربين قدامى، اعتبروا أن أي تراجع أمريكي عن دعم لندن يمثل سابقة خطيرة في العلاقات بين الحليفين التاريخيين.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة حساسية النزاع التاريخي حول الجزر، الذي بلغ ذروته خلال حرب الفوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين.
وفي هذا السياق، تبرز مخاوف من أن تستغل بوينس آيرس اللحظة الراهنة لإعادة طرح مطالبها بالسيادة على الأرخبيل، خاصة في ظل مواقف الرئيس خافيير ميلي، الذي أبدى تمسكه باستعادة ما تسميه بلاده "جزر مالفيناس".
وقد تزامنت هذه التطورات مع دعوات أرجنتينية لاستئناف المفاوضات الثنائية مع لندن، في خطوة قد تعيد فتح ملف ظل مجمداً نسبياً خلال السنوات الماضية.
ضعف عسكري بريطاني مقلق مقارنة بحرب 1982
تعيش بريطانيا الآن واقعاً عسكرياً مختلفاً تماماً عن عام 1982، عندما تطلب تحرير الجزر من السيطرة الأرجنتينية حشد قوة ضخمة قوامها 26 ألف جندي، وحاملتي طائرات، وسفن هجومية، ومدمرات، وفرقاطات، وغواصات، وعشرات الطائرات المقاتلة.
أما اليوم فلا يوجد في الجزر سوى أربع طائرات مقاتلة من طراز "تايفون"، وسفينة دورية واحدة هي "إتش إم إس ميدواي"، وما بين 1200 و1500 فرد في قاعدة "ماونت بليزانت" الجوية.
وهناك قلق متزايد من أن يكون الرد البريطاني بطيئاً في حال حدوث أي طارئ، خصوصاً بعدما استغرق وصول سفينة حربية بريطانية إلى البحر الأبيض المتوسط ثلاثة أسابيع عندما تعرضت قاعدة سلاح الجو الملكي في قبرص لهجوم من وكلاء إيران في بداية الصراع الحالي في الشرق الأوسط.
ويطلق ترامب تهديداته بعد رفض بريطانيا دعم حربه على إيران بشكل كامل، محاولاً الضغط على حلفاء الناتو للانضمام إلى جهوده، مدعياً أن الدعم يجب أن يكون "تلقائياً".
سابقة ريغان ومادة الناتو الخامسة
يستذكر المراقبون أن الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان رفض تقديم مساعدة علنية لبريطانيا عام 1982، مكتفياً بدعم خفي بالعتاد والذخيرة والمعلومات الاستخباراتية.
وحتى ذلك الحين، لم يتم تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تنص على أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع، رغم أن الغزو الأرجنتيني كان هجوماً على إقليم بريطاني تابع.
ويقول البروفيسور بيتر كليج، خبير العلاقات الدولية، إن ميلي "أقل تشدداً بقليل" من أسلافه، لكن "المطالبة الإقليمية نفسها لا تزال قائمة".
وحذر كليج من أن "الضغط الأمريكي المباشر على الشركات المشاركة في أنشطة مُخطط لها، مثل التنقيب عن النفط، قد يكون له تأثير" على المدى البعيد.
من جهتها، جددت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادينوش التأكيد على أن "جزر فوكلاند بريطانية، لطالما كانت كذلك. السيادة هي السيادة البريطانية".
لكن السؤال الذي يبقى معلقاً: هل تستطيع لندن وحدها حماية هذه السيادة في عالم يتغير بسرعة، في ظل رئيس أمريكي يرى أن الولاء يجب أن يكون تلقائياً له وليس للحلفاء القدامى؟