صراع القصر الصامت.. تشارلز وأندرو من التنافس إلى الإقصاء
تتجدد التساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية حول طبيعة العلاقة المعقدة بين الملك تشارلز الثالث وشقيقه الأصغر أندرو، في ضوء سلسلة من القرارات التي أدت عملياً إلى تراجع دور دوق يورك السابق داخل العائلة المالكة.
وبينما تُقدَّم هذه الإجراءات رسمياً ضمن مسار تحديث المؤسسة الملكية وتقليص أعبائها، يرى بعض المراقبين أنها لا تنفصل عن تاريخ طويل من التنافس والتوتر بين الشقيقين.
تشير روايات متداولة في الأدبيات الملكية إلى أن ملامح هذا التوتر تعود إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين كان تشارلز، بوصفه ولياً للعهد، يؤدي دوراً عاماً متزايداً، في مقابل حضور أكثر تحرراً لشقيقه الأصغر.
وتُستحضر في هذا السياق واقعة خلال أسبوع كاوز للإبحار عام 1979 في جزيرة وايت، حيث عكست تفاعلات بين الشقيقين اختلافاً في الطباع وأسلوب التعامل، وهي واقعة غالباً ما يُستشهد بها كرمز لبداية التباعد الشخصي بينهما.
خلال تسعينيات القرن الماضي، تعقّد المشهد داخل العائلة المالكة مع تزامن أزمات شخصية وإعلامية طالت عدداً من أفرادها. فقد تأثرت صورة تشارلز بشكل كبير بعد اعترافه بعلاقته مع كاميلا باركر بولز، في مقابلة تلفزيونية حظيت بمتابعة واسعة، أعقبها ظهور إعلامي بارز للأميرة الراحلة ديانا أميرة ويلز، التي طرحت تساؤلات حول مستقبل ولاية العهد.
وفي موازاة ذلك، تراجعت شعبية أندرو تدريجياً بعد انفصاله عن سارة فيرغسون عام 1992، رغم خلفيته العسكرية ومشاركته في حرب جزر الفوكلاند.
في هذا السياق المضطرب، أشار كاتب السيرة الملكية توم باور إلى أن تشارلز بات ينظر بعين الريبة إلى بعض التحركات داخل العائلة، معتبراً أن شقيقه أندرو، إلى جانب شقيقهما الأمير إدوارد، ربما لعبا دوراً في نقل انطباعات سلبية عنه، خصوصاً في ما يتعلق بعلاقته بكاميلا.
كما تناولت بعض الروايات غير المؤكدة آنذاك مخاوف لدى تشارلز من سيناريوهات بديلة لولاية العهد، وهو ما يعكس مستوى التوتر الذي ساد تلك المرحلة، وإن بقيت هذه التفسيرات في إطار التحليل غير المثبت رسمياً.
ومع دخول الألفية الجديدة، تراجع حضور هذه الخلافات العائلية في المجال العام، إلى أن أعادت قضية رجل الأعمال الأمريكي جيفري إبستين تسليط الضوء على الأمير السابق أندرو ماونتباتن-ويندسور بشكل غير مسبوق. فقد واجه الأخير اتهامات من فرجينيا جوفري، تتعلق بأحداث تعود إلى مطلع الألفية، وهو ما أدى إلى ضغوط سياسية وإعلامية كبيرة.
وبلغت الأزمة ذروتها عقب مقابلة أندرو مع برنامج "نيوز نايت" في عام 2019، والتي قوبلت بانتقادات واسعة واعتُبرت نقطة تحول أدت إلى انسحابه من الحياة العامة.
لاحقاً، ومع تولي الملك تشارلز العرش، اتخذ القصر سلسلة من الخطوات التي أعادت رسم الحدود بين أفراد العائلة المالكة “العاملين” وغير العاملين.
وشملت هذه الإجراءات تقليص الظهور الرسمي للأمير أندرو، وسحب عدد من الامتيازات المرتبطة بوضعه الملكي، إلى جانب إعادة النظر في ترتيبات الإقامة والدعم اللوجستي، وهي خطوات فُسّرت ضمن رؤية أشمل لتحديث المؤسسة وجعلها أكثر كفاءة وأقل عرضة للجدل.
وقد تزامنت بعض هذه الإجراءات مع تطورات قانونية وإعلامية في الولايات المتحدة مرتبطة بملف إبستين، بما في ذلك نشر وثائق إضافية أعادت تسليط الضوء على القضية.
ورغم الربط الذي أجرته بعض وسائل الإعلام بين توقيت القرارات الملكية وهذه التطورات، فإن مصادر قريبة من القصر تشير إلى أن التوجه العام نحو تقليص دور بعض الأفراد كان قائماً بالفعل ضمن استراتيجية طويلة الأمد.
في المقابل، لا تزال التفسيرات التي تربط هذه القرارات بخلفيات شخصية قائمة في التحليلات الإعلامية. فالبعض يرى أن التاريخ الطويل من التنافس، وما صاحبه من انعدام ثقة في بعض المراحل، قد يكون ترك أثراً على طريقة إدارة الأزمة. إلا أن غياب تصريحات رسمية مباشرة في هذا الشأن يجعل من الصعب الجزم بطبيعة الدوافع الحقيقية.
تجدر الإشارة إلى أن نهج الملكة الراحلة إليزابيث الثانية كان مختلفاً في التعامل مع أندرو، إذ حافظت على دعمه في عدد من المناسبات حتى في خضم الجدل، ما يعكس تبايناً في أسلوب إدارة الأزمات داخل المؤسسة الملكية بين العهدين.