يشهد الشرق الأوسط منذ عقود صعود مشاريع أيديولوجية تسعى إلى إعادة تشكيل المجال السياسي على أسس دينية، في ظل تراجع النماذج التقليدية للدولة.
وفي هذا السياق، برزت حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، كفاعل يسعى إلى تقديم بديل سياسي قائم على المرجعية الدينية. غير أن هذه الحركات لم تتطور بمعزل عن غيرها، بل نشأت بينها علاقات معقدة من التأثير المتبادل والتقاطع الاستراتيجي، خاصة مع النظام الإيراني.
فعلى الرغم من التباينات المذهبية، يتقاطع الطرفان في رؤية تعتبر الإسلام إطارًا شاملًا للحكم، وتربط الشرعية السياسية بتفسير ديني محدد للنصوص. وقد ظهر هذا التقاطع مبكرًا، حيث أقامت شبكات مرتبطة بالإخوان علاقات مع معارضين إيرانيين قبل ثورة 1979، وأسهمت في دعم بعض الفاعلين الذين لعبوا أدوارًا لاحقة في إسقاط نظام الشاه. كما كشفت شهادات متعددة عن لقاءات بين قيادات إخوانية وآية الله الخميني خلال إقامته في باريس، وهو ما يعكس مستوى من التفاعل السياسي المبكر.
بعد الثورة، تعززت قنوات التواصل، وتطورت العلاقة نحو أشكال من التعاون غير المباشر في ساحات إقليمية متعددة. ففي اليمن ولبنان والسودان، ظهرت تقاطعات بين شبكات مرتبطة بالإخوان وقوى مدعومة من إيران، سواء في المجال السياسي أو عبر تداخلات ميدانية محدودة في بعض الحالات.
ويظهر التقاطع أيضًا في الأدوات المعتمدة لبناء النفوذ، حيث يعتمد الطرفان على الجمعيات الخيرية والمؤسسات الدينية والمراكز الثقافية لتوسيع الحضور الاجتماعي، إضافة إلى توظيف التعليم والإعلام في نشر الأيديولوجيا وتعزيز الهوية التنظيمية. كما يشتركان في استخدام شبكات تمويل عابرة للحدود تمنحهما قدرًا من الاستقلالية والمرونة في العمل السياسي.
ومن أبرز عناصر التشابه كذلك توظيف خطاب المظلومية، الذي يُستخدم كأداة تعبئة سياسية لتبرير النشاط التنظيمي وتوسيع القاعدة الشعبية. وتؤدي هذه السرديات دورًا محوريًا في بناء الشرعية لدى الحركات الأيديولوجية.
بناءً على ذلك، يتضح أن العلاقة بين الإخوان والنظام الإيراني لا تقتصر على تحالفات ظرفية، بل تعكس تقاطعًا بنيويًا بين مشروعين أيديولوجيين عابرين للحدود.
ومن ثم، فإن فهم هذا التقاطع يعد ضروريًا لتحليل ديناميات الصراع في المنطقة، إذ يكشف أن التحدي لا يقتصر على الأبعاد الأمنية، بل يمتد إلى مواجهة مشاريع تسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والسياسة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة