إلى أين يمضي عالمنا المعاصر، لا سيما في ظل غياب الحقيقة والثقة، ما بين كبريات الأقطاب الدولية القائمة ونظيرتها القادمة، وبينهما القوى المتوسطة الساعية لأن تضحى رقمًا صعبًا في المعادلة الدولية؟
يبدو هذا هو سؤال الساعة مجهول الجواب، وفي درب البحث عن ردود عقلانية، عادة ما يلجأ المرء إلى ذوي الألباب من الراسخين في العلم والحكمة.
من بين هؤلاء في حاضرات أيامنا، يتقدم البروفيسور جيفري ساكس، أحد أهم الأصوات الأمريكية المعاصرة، بل الصوت الصارخ في برية غياب الحقيقة وانعدام الثقة المعاصرين.
على الرغم من أن الرجل اقتصادي كبير بالأساس، إلا أن حضوره الدولي يتجاوز جمود النظريات الاقتصادية إلى رحابة الرؤى الكونية.
الكثير من الأضواء تم تسليطها مؤخرًا على ساكس عبر الحوارات المتلفزة، ولقاءات البودكاست، والصحف العالمية، ما يعني أن هذه السطور لا توفي الرجل حقه، أو تميط اللثام عن رؤيته لكوننا المأزوم بشرًا وحجرًا.
يعتقد ساكس بيقين أن إنسانيتنا المعاصرة تعيش حالة غير مسبوقة في التاريخ البشري، وذلك انطلاقًا من ثلاثة محاور وثيقة الصلة الواحد بالآخر.
المحور الأول يتناول نهاية النظام العالمي، ذاك الذي اصطبغ بمسحة غربية بعد الحرب العالمية الثانية، وتهيمن فيه دول حلف شمال الأطلسي على العالم، إن عسكريًا أو اقتصاديًا.
المحور الثاني قائم على الأزمة الإيكولوجية العالمية، والتي اتسمت بتغير المناخ الناجم عن أنشطة الإنسان، وتدمير التنوع البيولوجي، ناهيك عن التلوث البيئي الكارثي، ما سيولد حكمًا تغيرات جذرية على صعيدي الاقتصاد الدولي والحوكمة العالمية.
المحور الثالث يتعلق بالتقدم السريع الحادث في عالم التقنيات والمتمثل في مجالات النوازل، وبخاصة الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، أي المزيج من الفيزياء والكمبيوتر، دون إهمال للتكنولوجيا الحيوية والهندسة الجيولوجية، وكلها أدوات يمكنها أن تغير أوضاع الاقتصاد، وتبدل طباع السياسة العالميين بصورة لا تخطر على المخيال البشري، كما كان يقول المفكر الجزائري الكبير البروفيسور محمد أركون.
هنا، وفي ظل هذه المحاور المتقدمة، يرى ساكس أن المؤسسات الأممية القائمة لم تعد قادرة على أن تلبي متطلبات الواقع الحديث، سواء كانت مؤسسات وطنية أم دولية.
تكاد رؤى ساكس تأخذنا عنوة إلى ما توقف عنده ذات مرة عالم الأحياء الأمريكي الكبير «إدوارد ويلسون» (1929-2021)، من أننا «دخلنا القرن الحادي والعشرين، متعثرين بمشاعر العصر الحجري، ومؤسسات العصور الوسطى، وتقنيات شبه إلهية»... ماذا يعني بذلك؟
المعنى والمبنى هو أننا نواجه تحدياتنا اليومية بالطبيعة البشرية المعرفية والعاطفية الأساسية التي شكلها التطور البشري قبل عشرات آلاف السنين، وبمؤسسات سياسية تشكلت منذ قرون، في ظل تقدم تكنولوجي يمضي بسرعة الضوء.
من هنا يبدو واضحًا أننا نعيش في ظل حالة من عدم الاتساق التاريخي بين الماضي والحاضر، أو بين الكم والكيف، وربما بين الممكن والمتخيل، ما يعزز من حالة عدم اليقين، وهذه تولد دون أدنى شك نظرة فلسفية للآخر قوامها الخوف، وعليها تدور دائرة العداوات، وتفتح الباب واسعًا للصدامات، تلك التي تبدأ إيديولوجية، ثم تمتد لأن تضحى جيوسياسية، ما جعل وسيجعل من الكوكب الأخضر موقعًا وموضعًا لحروب ما أنزل الله بها من سلطان.
المشهد السابق يحمل في طياته تناقضًا تكتونيًا هيكليًا سيعوق قطعًا مسيرة البشرية، ذلك أنه فيما يمكن للتقدم التكنولوجي إذا استُخدم بشكل صحيح أن يحل مشاكل لا تحصى في التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية، إلا أن الواقع الحياتي المضطرب شرقًا وغربًا يزيح التفاؤل من المشهد.
في هذا السياق، وعبر مجلة «ناشونال إنترست»، يقدم جيفري ساكس ثلاثة سيناريوهات للتحولات العالمية، وعلى سكان الكوكب الاختيار منها للبقاء أو الفناء:
السيناريو الأول: يتمثل في بناء عالم متعدد الأطراف بحق، ولتحقيق ذلك هناك حاجة إلى نظام دولي متطور تتفق فيه القوى الكبرى بنوع خاص على مانيفستو قانوني وأخلاقي، يعلي من شأن القواعد الأدبية والقانونية، ويفتح الباب واسعًا أمام الحلول السلمية للنزاعات، ما يتطلب تطويرًا جذريًا للأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل عام.
السيناريو الثاني: عالم تغادر فيه الولايات المتحدة فكر الحمائية وتقسيم العالم إلى معسكرات متنافسة، أي التخلي عن الرؤية الهنتنغتونية، ومبارحة النظرة الداروينية الاجتماعية المتسقة مع الفوقية الإمبريالية، السياسية أو العسكرية.
السيناريو الثالث: الاستسلام لشيوع وذيوع الفوضى الكوكبية، والوصول إلى الشتاء النووي القاتل.
الخلاصة.. يبدو ساكس وكأنه يوصي بأن التساؤل عن: «من هو الأول؟» سيقود العالم إلى الغرق، فيما التوجه جهة «نحن» ربما يستنقذ قارب الخليقة المعطوب.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة