تشير القراءة المتعمقة لما تشهده المنطقة إلى أننا لسنا أمام مجرد تصعيد عابر يمكن احتواؤه بوسائل سياسية ودبلوماسية تقليدية، بل نحن أمام لحظة مفصلية تعيد تعريف موازين القوة، وتكشف بوضوح أن معادلة الاستقرار الإقليمي دخلت طورًا جديدًا أكثر تعقيدًا وصرامة.
وفي قلب هذه التحولات، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة أمام اختبار استراتيجي غير مسبوق، فرضته تداعيات العدوان الإيراني، ليعيد رسم أولوياتها ويضعها أمام احتمال الانتقال من إدارة الاستقرار إلى صناعته وفرضه وفق معادلات أكثر تقدمًا. فالمسألة، من وجهة نظري، لم تعد مرتبطة برد الفعل بقدر ما أصبحت تتعلق بإعادة تموضع استراتيجي يعكس وزن الدولة ومكانتها.
لقد شكّل حجم ونوعية الهجمات التي استهدفت دولة الإمارات مؤشرًا واضحًا على تحول نوعي في طبيعة التهديدات. فقد تعرضت الدولة، وفق الإحصاءات، إلى ما يقارب 438 صاروخًا باليستيًا، و2012 طائرة مسيّرة، و19 صاروخ كروز، مع تصاعد يومي في وتيرة الاستهداف، في حين استحوذت على ما يقارب نصف إجمالي الهجمات على دول مجلس التعاون. وهذه الأرقام لا تعبّر فقط عن كثافة الاستهداف، بل تعكس إدراكًا عميقًا لدى الطرف المعتدي لمركزية الدور الذي تمثله الإمارات في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي. هذا النمط من التهديد لا يستهدف الجغرافيا بقدر ما يستهدف «النموذج»، فالإمارات، في جوهرها، ليست فقط دولة ذات سيادة، بل منصة استقرار اقتصادي ومالي ولوجستي على مستوى عالمي. وبالتالي، فإن أي محاولة لإرباكها تمثل، في تقديري، اختبارًا لقدرة الدولة على حماية نموذجها تحت الضغط، وربما كسر الثقة التي بُني عليها.
ومن هنا، لا يمكن قراءة هذه الأزمة كحدث أمني تقليدي، بل كتحول هيكلي في طبيعة الصراع نفسه. إذ لم يعد الصراع يدور فقط حول الحدود أو النفوذ، بل امتد ليشمل ما يمكن تسميته بـ«الردع الاقتصادي»، حيث تصبح القدرة على حماية تدفقات التجارة، واستمرارية الأسواق، وثقة المستثمرين، جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن الوطني. وفي تقديري، فإن أي دولة لا تستطيع حماية نموذجها الاقتصادي، لن تتمكن من حماية سيادتها على المدى الطويل.
وفي هذا السياق، يبرز التحول في مفهوم الأمن الوطني بوصفه حجر الزاوية في المرحلة القادمة. فلم يعد الأمن قطاعًا منفصلًا، بل أصبح منظومة متكاملة تتقاطع فيها الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتقنية. ويتجسد ذلك في تطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات، وتعزيز أمن الممرات البحرية، وتأمين البنية التحتية الحيوية، إلى جانب بناء قدرات سيبرانية متقدمة. إن هذا التحول، من وجهة نظري، لا يعكس فقط تعزيز القدرات، بل إعادة تعريف الدولة الحديثة ككيان قادر على حماية نفسه عبر تكامل أدوات القوة الصلبة والناعمة في أحلك الظروف.
وعلى الضفة الاقتصادية، لا يقل التحول عمقًا. فالإمارات التي بنت نموذجها على الانفتاح والتكامل مع الاقتصاد العالمي، قد تكون أمام مرحلة إعادة معايرة لهذا النموذج بما يضمن استدامته في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر، حيث لم يعد السؤال: كيف نحقق النمو؟ بل أصبح: كيف نضمن استدامته تحت الضغط؟ وهنا يكمن الفرق بين اقتصاد مزدهر واقتصاد مرن قادر على الصمود.
ويبرز في هذا الإطار ملف مضيق هرمز بوصفه أحد أبرز مفاتيح الأمن الاقتصادي. فالتعامل مع المضيق لم يعد مسألة لوجستية فحسب، بل قرارًا استراتيجيًا يرتبط باستمرارية الاقتصاد. وقد تفرض المرحلة القادمة، بحسب هذا التصور، تسريع بناء منظومة بدائل متكاملة، تشمل تعزيز دور ميناء الفجيرة، وتوسيع شبكات الأنابيب، وتطوير منافذ إضافية، بما يضمن تدفق التجارة حتى في أكثر الظروف تعقيدًا. وجميعنا نعلم أن من يملك بدائل التدفق، يملك قرار الاستمرار.
وفي البعد الإقليمي، أعادت الأزمة التأكيد على أن أمن الإمارات لا ينفصل عن أمن محيطها الخليجي، فهو عمقها الاستراتيجي، وأن التهديدات العابرة للحدود تتطلب استجابة جماعية قائمة على تكامل القدرات وتوحيد الرؤى. ومن شأن تعزيز منظومة الردع الخليجي المشترك أن يعيد رسم توازنات القوى، ويرفع كلفة أي تصعيد محتمل إلى مستويات تجعل من الإقدام عليه خيارًا غير محسوب.
أما على مستوى العلاقات الدولية، فقد أسقطت هذه الأزمة كثيرًا من الأوهام المرتبطة بطبيعة التحالفات. فلم يعد معيار الشراكة يُقاس بعدد الاتفاقيات، بل، في تقديري، بمدى وضوح المواقف في لحظات الاختبار. فالعلاقات الدولية لا تُقاس في أوقات الاستقرار، بل تُختبر في لحظات الضغط، وهو ما قد يدفع نحو إعادة تقييم دقيقة للشراكات، وتعزيز العلاقات القائمة على الموثوقية الفعلية.
إن ما نشهده اليوم لا يمثل أزمة عابرة، بل نقطة تحول استراتيجية تعيد تشكيل دور الإمارات في محيطها الإقليمي والدولي. فهي، وفق هذا التحليل، تقف أمام فرصة لإعادة تموضعها كقوة قادرة ليس فقط على الحفاظ على الاستقرار، بل على هندسته وصياغته وفق معادلات أكثر استدامة.
وختامًا أقول: لم تعد قوة الدول تُقاس بما تمتلكه فقط، بل بقدرتها على حماية نموذجها تحت الضغط، والاستمرار حين يتعثر الآخرون.
وفي المحصلة، فإن الإمارات لن تخرج من هذه المرحلة أقوى فحسب، بل أكثر وضوحًا في تعريف مصالحها، وأكثر حسمًا في حماية نموذجها، وأكثر قدرة على صياغة معادلات تعكس وزنها الحقيقي. ومن هذا المنطلق، فإن ثقة الإمارات بقدرتها على تجاوز التحديات ليست مجرد تفاؤل، بل انعكاس لنهج راسخ أثبت صلابته عبر الأزمات. وبقيادة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، ستواصل الإمارات ترسيخ تفوقها بثقة وثبات، وبقدرة لا تعرف التراجع، لتبقى فاعلًا مؤثرًا في تشكيل مستقبل المنطقة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة