من شوارع القاهرة إلى بنوك الدم بالخارج.. هل تصبح الكلاب الضالة موردا اقتصاديا؟ (خاص)
في الوقت الذي تتركز فيه النقاشات حول مخاطر الكلاب الضالة، يبرز ملف آخر أكثر إثارة للجدل، يتعلق باستغلال دمائها.
وأصبحت دماء الكلاب صناعة طبية بيطرية عالمية تدر ملايين الدولارات سنويا، وأثير هذا الملف في مصر بعد تصريحات صحفية للدكتور مصطفى الجعفري، الأستاذ المساعد بكلية الطب البيطري بجامعة القاهرة، تحدث فيها عن وجود نشاط لتصدير دماء وبلازما الكلاب المصرية إلى الولايات المتحدة عبر تعاقدات مع بنوك دم بيطرية، مشيرا إلى أن بعض الجهات العاملة في مجال رعاية الحيوانات تستفيد اقتصاديا من هذا النشاط.

ويؤكد الجعفري أن تصدير دماء الكلاب ليس نشاطًا جديدًا، بل يتم منذ عدة سنوات بصورة قانونية من خلال تصاريح وإجراءات رسمية، موضحًا أن الطلب العالمي يتركز على الدماء الغنية بالأجسام المضادة والبلازما المستخدمة في علاج أمراض الكلاب وإنتاج الأمصال البيطرية.
صناعة عالمية عمرها عقود
ويقول د.أسامة شوقي، استشاري الطب البيطري بوزارة الزراعة المصرية: "رغم أن فكرة التجارة في دماء الكلاب قد تبدو صادمة للكثيرين، فإنها ليست ظاهرة مصرية، ففي الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا توجد بنوك دم بيطرية متخصصة تجمع الدم من الكلاب والقطط لاستخدامه في عمليات نقل الدم وإنقاذ الحيوانات المصابة بالنزيف أو الأمراض الدموية".
ويوضح، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن الأدبيات البيطرية تشير إلى أن الكلاب تمتلك عشرات فصائل الدم المختلفة، إلا أن بعض الفصائل النادرة تحظى بقيمة خاصة لأنها تصلح للتبرع لمعظم الكلاب الأخرى دون حدوث تفاعلات مناعية خطيرة، وهو ما يجعلها شديدة الطلب داخل المستشفيات البيطرية.
ويضيف أنه "مع تطور الطب البيطري وارتفاع الإنفاق على الحيوانات الأليفة في الغرب، نشأت سوق عالمية متخصصة في منتجات الدم الحيواني تشمل الدم الكامل والبلازما والأجسام المضادة والمنتجات التشخيصية".
لماذا تحظى الكلاب المصرية بالاهتمام؟
بحسب د.شوقي، فإن الكلاب البلدية المصرية تعيش في بيئة تجعلها معرضة لعدد كبير من الأمراض المتوطنة، ما يؤدي إلى تكوين مستويات مرتفعة من الأجسام المضادة داخل دمائها.
ويقول إن هذه الأجسام المضادة يمكن استخدامها في إنتاج أمصال وعلاجات بيطرية موجهة لأمراض فيروسية تصيب الكلاب، وهو ما يمنح بعض العينات قيمة اقتصادية مرتفعة داخل الأسواق الدولية.
كما يشير إلى أن بعض الفصائل الدموية المطلوبة عالميًا قد تصل أسعار وحداتها إلى مئات الدولارات، بينما تستخدم البلازما لاحقًا في تصنيع أمصال ومنتجات تشخيصية بيطرية.

جدل أخلاقي يتجاوز مصر
الجدل المرتبط بدماء الكلاب لم يبدأ في مصر، بل ظهر بقوة في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
ففي عام 2024 أثارت منظمات حقوق الحيوان، وعلى رأسها منظمة "بيتا" (PETA)، جدلًا واسعًا بعد نشر تحقيقات اتهمت أحد أكبر بنوك الدم البيطرية الأمريكية بالاحتفاظ بمئات الكلاب والقطط بغرض سحب الدم بصورة منتظمة وبيع منتجاته للمستشفيات البيطرية.
وأعادت تلك التحقيقات طرح أسئلة أخلاقية حول الحدود الفاصلة بين إنقاذ الحيوانات من جهة، وتحويلها إلى مصدر دائم للمنتجات البيولوجية من جهة أخرى.
ورغم أن بنوك الدم البيطرية تعد نشاطًا مشروعًا في أغلب الدول، فإن منظمات الرفق بالحيوان تطالب بإخضاعها لرقابة صارمة وضمان عدم تعرض الحيوانات للاستغلال أو سحب الدم منها بمعدلات قد تؤثر على صحتها.
أسئلة تحتاج إلى إجابات
يثير ملف تصدير دماء الكلاب في مصر مجموعة من الأسئلة التي ما زالت مطروحة للنقاش العام ما حجم هذه التجارة فعليا؟، ما الجهات التي تمارسها؟، كيف يتم اختيار الكلاب المستخدمة في التبرع؟، ما حجم العائدات المالية الناتجة عنها؟، هل تخضع هذه الإيرادات لرقابة مالية وتنظيمية كافية؟، وما مدى توافق هذا النشاط مع الرسالة المعلنة للجمعيات العاملة في مجال الرفق بالحيوان؟
وفي المقابل، يؤكد متخصصون أن استخدام دماء الحيوانات في الطب البيطري يمثل ضرورة لإنقاذ حياة آلاف الكلاب والقطط سنويًا، وأن المشكلة لا تكمن في وجود بنوك الدم نفسها، بل في مدى الالتزام بمعايير الشفافية والرفق بالحيوان والرقابة على هذا النشاط.