توترات جيوسياسية بالقطب الشمالي.. كندا تحتاج لـ«حصن» بـ3 مستويات
ظهور ممرات استراتيجية في الجليد، وتقلبات جيوسياسية عالمية، يضعان كندا في مرمى تهديدات أمنية متصاعدة، ويفرضان خطوات دفاعية.
في هذا السياق، فتحت مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكي، ملف ما يعرف بـ"حصن القطب الشمالي"، لحماية كندا من تقلبات جيوسياسية ومناخية متزايدة في العالم.
المجلة قالت: "تحتاج كندا إلى بناء استراتيجية دفاعية جديدة لمواجهة التحولات الجيوسياسية المتسارعة في المنطقة القطبية الشمالية، وتعزيز سيادتها على أراضيها الشمالية"، وأطلقت عليها اسم "حصن القطب الشمالي".
وأشاد التحليل بقرار كندا إغلاق مشروع القاعدة البحرية في نانيسيفيك، معتبرًا أن المشروع لم يكن مدروسًا بالشكل الكافي، وأن أوتاوا تحتاج إلى رؤية دفاعية أكثر شمولًا وفاعلية.
ويؤكد التحليل أن البيئة الدولية أصبحت أكثر اضطرابًا مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، مشيرا إلى أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم كندا أو السيطرة على غرينلاند.
ولا ينبغي أن تعتمد كندا على افتراض استمرار العلاقات الودية مع الولايات المتحدة، بل يجب أن تعزز قدرتها الذاتية على حماية أراضيها، وفق التحليل.
وتتزايد أهمية القطب الشمالي نتيجة تغير المناخ، إذ يؤدي ذوبان الجليد إلى فتح طرق بحرية جديدة وزيادة إمكانية الوصول إلى الموارد الطبيعية وقد تؤدي هذه التطورات إلى إعادة رسم موازين القوى الاقتصادية والعسكرية في المنطقة، مما يجعل الأراضي الشمالية الكندية أكثر أهمية من أي وقت مضى.
ويقترح التحليل إنشاء شبكة دفاعية متكاملة تبدأ من ميناء "ساكس هاربور" في جزيرة "بانكس" وقاعدة "مولد باي" في جزيرة "برنس باتريك"، باعتبارهما موقعين استراتيجيين لمراقبة الممرات البحرية الغربية وتأمين الجزر القطبية الشمالية.
وستؤدي إعادة بناء قاعدة "مولد باي" المهجورة إلى تعزيز سيطرة كندا على أرخبيل الملكة إليزابيث، كما ستتيح اكتشاف أي تحركات روسية أو صينية في وقت مبكر.
ويمكن لكندا أيضا أن تقوم بتطوير "كامبريدج باي" لتصبح القاعدة العسكرية الرئيسية في القطب الشمالي الكندي، مستفيدة من موقعها المركزي والميناء العميق وبنيتها التحتية الحالية.
كما تشمل استراتيجية "حصن القطب الشمالي" المقترحة توسيع قاعدة سلاح الجو، وإنشاء مدرج طويل للطائرات، واستضافة سرب دائم من مقاتلات "إف-35" ونشر مسيرات بعيدة المدى لمراقبة المجال البحري والجوي في المنطقة القطبية.
ويتطلب نجاح هذه الاستراتيجية تحسين البنية التحتية للنقل، من خلال إنشاء خط سكة حديد يربط المناطق الجنوبية ببلدة "توكتوياكتوك" عبر نهر ماكنزي وطريق ديمبستر، بما يضمن سهولة نقل الإمدادات والقوات إلى القواعد الشمالية.
ويشدد التحليل أيضا على ضرورة إقامة قاعدة عسكرية إضافية شمال مضيق ماكلور لحماية الجزر الشمالية الأكثر عرضة لأي تهديد محتمل.
وتتضمن الاستراتيجية إنشاء مناطق موسعة للتعرف على الأهداف الجوية والبحرية، وربط منظومة الدفاع الجديدة مع قيادة الدفاع الجوي لأمريكا الشمالية، وربما مع مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي المعروف باسم "القبة الذهبية" إضافة إلى نشر شبكة استشعار صوتية تحت الماء لرصد الغواصات المعادية ومنع مرورها عبر المياه الكندية.
ويتناول التحليل قضية تسليح القوات الجوية الكندية، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تفضل تكامل الأنظمة الدفاعية بين البلدين، وهو ما يجعل تشغيل مقاتلات "إف-35" ضروريًا في مهام الدفاع عن أمريكا الشمالية.
ومع ذلك، قد تكون مقاتلات "غريبن إيي" السويدية أكثر ملاءمة للعمليات الخارجية ولدعم التزامات كندا داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو) في أوروبا.
وفي إطار تعزيز الدفاع البري، يمكن لكندا أن تعيد تنظيم قوات "حرس القطب الشمالي" من السكان الأصليين، عبر تحويل نصف أفرادها تقريبًا إلى قوات مشاة نظامية تعمل بدوام كامل، مزودة بأسلحة مضادة للدروع، وأنظمة دفاع جوي محمولة، ومسيرات، ومعدات متخصصة للحركة فوق الثلوج والجليد، بحسب المجلة,
ويتعين على كندا توزيع هذه القوات على ثلاث كتائب تتمركز في وايتهورس ويلونايف وإيكالويت، بحيث تكون قادرة على تنفيذ عمليات مقاومة وتأخير أي قوة غازية لحين وصول التعزيزات.
ولدعم سرعة الانتشار، يدعو التحليل إلى شراء ما لا يقل عن 18 طائرة نقل من طراز "توين أوتر سي سي-138" القادرة على الإقلاع والهبوط على المدارج القصيرة أو الجليدية أو المائية، بما يسمح بنقل القوات والإمدادات بسرعة إلى المواقع النائية في القطب الشمالي.
ويتعين على كندا أيضا التعاون مع "الناتو" للدفاع عن المنطقة القطبية، وخاصة مع النرويج والدنمارك والسويد. كما يتعين عليها تخزين معدات عسكرية مسبقًا في غرينلاند بحيث تتمكن القوات الكندية من الانتشار السريع للدفاع عن الجزيرة عند الحاجة، بما يعزز الردع الجماعي ويزيد من تعقيد أي مخططات عدائية تستهدف المنطقة.
أخيرا، تمثل استراتيجية "حصن القطب الشمالي" استثمارًا طويل الأمد في الأمن القومي الكندي، يهدف إلى ترسيخ السيادة على الشمال، وتعزيز القدرات العسكرية، ورفع مستوى التنسيق مع الحلفاء، بما يضمن حماية المصالح الكندية في منطقة تزداد أهميتها الاستراتيجية يوما بعد يوم.