الصين وأفريقيا.. ثقل اقتصادي في الجنوب العالمي
قبل يومين، أعلنت الصين منح إعفاء جمركي كامل لوارداتها من 53 دولة أفريقية بدءاً من عام 2026، في خطوة تهدف لإعادة تشكيل عميقة للعلاقات التجارية العالمية.
كما تؤكد تلك الخطوة تسارع تنافس القوى الاقتصادية الكبرى على شراكات طويلة الأمد مع القارة السمراء الغنية بالموارد.
ووفقاً لتقرير نشره موقع "ديسكفري ألرت"، فإن هذا القرار يمثل أحد أكبر برامج الانفتاح التجاري في تاريخ العلاقات بين الصين وأفريقيا، حيث يلغي الرسوم الجمركية على معظم السلع القادمة من الدول الأفريقية، ويمنح اقتصاداتها وصولاً غير مسبوق إلى ثاني أكبر سوق استهلاكية في العالم.
وتكمن أهمية القرار في كونه لا يقتصر على دول محدودة، بل يشمل تقريباً كامل القارة، باستثناء دولة واحدة فقط، وهي إسواتيني؛ لأسباب دبلوماسية تتعلق بعلاقاتها مع تايوان.
نقلة اقتصادية
اقتصادياً، يعكس البرنامج تحولاً في فلسفة التعاون التجاري، حيث تسعى بكين إلى ترسيخ نموذج يقوم على التكامل الاقتصادي بدلاً من الشروط السياسية أو المؤسسية التي لطالما رافقت برامج التجارة الغربية. ومن الناحية العملية، فذلك يعنى أن الدول الأفريقية يمكنها الاستفادة من الامتيازات دون الالتزام بمعايير سياسية صارمة، وهو ما يجعل المبادرة جذابة لعدد كبير من الحكومات الأفريقية.
ومن الناحية التجارية، يعالج القرار الاختلال الهيكلي في ميزان التجارة بين الجانبين. فالصادرات الصينية إلى أفريقيا لا تزال تتجاوز بكثير وارداتها من القارة، ويرجع ذلك إلى اعتماد الاقتصادات الأفريقية على تصدير المواد الخام مقابل استيراد المنتجات الصناعية. ومن خلال إزالة الرسوم الجمركية، تأمل بكين في تحفيز زيادة الصادرات الأفريقية وتنويعها، بما يساهم في تقليص فجوة الميزان التجاري تدريجياً.
وتُظهر التحليلات أن أكبر المستفيدين المحتملين من هذه السياسة سيكونون منتجو السلع الزراعية والمعادن والمواد الأولية، إلى جانب قطاعات التصنيع الخفيف مثل الملابس والمنسوجات. كما تفتح الخطوة فرصاً أمام الدول التي تمتلك قدرات صناعية ناشئة لتوسيع صادراتها من المنتجات ذات القيمة المضافة، وهو ما يدعم جهود التصنيع في القارة.
- ثروات على الورق بلا سيولة.. «راي داليو» يحذر أمريكا من فقاعة تعيد انهيار 1929
- إعفاء 53 دولة أفريقية من الرسوم.. الصين تنفذ وعدها الأقوى للقارة السمراء
الأهمية الجيوسياسية
ومن زاوية استراتيجية، يعزز القرار النفوذ الاقتصادي للصين في أفريقيا، خاصة في ظل المنافسة المتزايدة مع القوى الغربية على النفوذ في القارة. فالإعفاءات الجمركية لا تمثل مجرد أداة تجارية، بل تعد جزءاً من استراتيجية أوسع لتعميق العلاقات الاقتصادية وربط الاقتصادات الأفريقية بسلاسل التوريد العالمية التي تقودها الصين.
كما يمنح البرنامج بكين ميزة دبلوماسية مهمة، إذ يعكس استعدادها لتحمل تكلفة مالية مباشرة من خلال التخلي عن عائدات جمركية كبيرة، وهو ما يعزز صورتها كشريك تنموي طويل الأمد. وفي المقابل، يوفر للصين ضماناً مستقبلياً لتأمين إمدادات مستقرة من الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها صناعاتها.
من ناحية أخرى، اعتبر تحليل نشرته صحيفة "تشاينا ديلي" في وقت سابق إن هذه السياسة يُنظر لها كجزء من دعم العلاقات بين الدول النامية (جنوب-جنوب)، وذلك في وقت تتزايد فيه السياسات الحمائية في بعض الاقتصادات الكبرى، وخصوصاً في الغرب.
وقد رحب مصنعو ومصدرو المنتجات الزراعية الأفريقية بهذه الخطوة، متوقعين زيادة في صادراتهم وأرباحهم. على سبيل المثال، يرى الرئيس التنفيذي لمجلس الشاي الكيني أن وصول الشاي إلى السوق الصينية دون رسوم يمكن أن يرفع صادرات بلاده من ملايين الكيلوغرامات إلى عشرات الملايين خلال السنوات المقبلة، مدفوعاً بارتفاع الطلب الصيني على السلع عالية الجودة.
ويمثل بذلك الإعفاء الجمركي الصيني خطوة كبرى نحو إعادة تشكيل التوازنات التجارية العالمية، ويعكس بوضوح انتقال مركز الثقل الاقتصادي نحو شراكات الجنوب العالمي. وبينما يوفر القرار فرصة تاريخية للقارة الأفريقية، فإن نتائجه النهائية ستتوقف على قدرة الاقتصادات الأفريقية على استثمار هذه الفرصة وتحويلها إلى نمو صناعي حقيقي ومستدام.