«الحزام والطريق».. محور الدفاع والفرص للصين
اعتبر تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي» إن الصين أعادت ابتكار مبادرة الحزام والطريق.
منذ وقت ليس ببعيد، كان صانعو السياسات في الغرب يعتبرون أن مبادرة الحزام والطريق الصينية كانت شبه منعدمة، لكن الواقع الذي رصده التحليل لعام 2025 حطم تلك السردية.
فقد ارتفعت قيم مشاريع الحزام والطريق الآن وتجاوزت ذروتها التي سجلتها في 2016. وتُظهر بيانات جديدة أن مشروعات الحزام والطريق وصلت إلى 213.5 مليار دولار عبر مناطق وقطاعات واسعة العام الماضي. وحدث هذا الانتعاش جنبًا إلى جنب مع تحول جوهري في المكانة التجارية للصين؛ ففي عام 2025، تجاوز إجمالي التجارة الخارجية 6.3 تريليون دولار، محققًا فائضًا تجاريًا قياسيًا يقارب 1.2 تريليون دولار.

ولم تعد مبادرة الحزام والطريق مجرد عودة؛ بل أُعيد توظيفها بشكل جذري. فبعد أن كانت وسيلة لمشاريع بنية تحتية ضخمة، تطورت إلى امتداد متطور للسياسة الصناعية الصينية. وتعمل النسخة الحديثة من المبادرة الآن بتناغم مع فن إدارة الدولة الاقتصادي في بكين لتحقيق ثلاثة أهداف أساسية: التفوق في قطاعات مثل التكنولوجيا النظيفة، وتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية، وتخفيف فائض الطاقة الإنتاجية المحلي عبر التوسع الضخم في الصادرات.
ومن المفارقات أن تصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منذ أبريل/نيسان 2025 وتزايد الحمائية الغربية لم يؤديا إلا إلى تسريع هذا التحول في حملة التصدير الصينية الواسعة؛ إذ أنه تحت ضغط الحواجز التجارية المتزايدة، تستغل الشركات الصينية استثمارات الحزام والطريق الموجهة لإعادة توجيه سلاسل التوريد بشكل منهجي عبر دول ذات تعريفات جمركية أقل، مع الحفاظ على وصول غير مباشر إلى الأسواق الغربية.
وفي الوقت نفسه، تنشر بكين هذا التدفق الرأسمالي للاستحواذ على أسواق ناشئة غير أمريكية لامتصاص إنتاجها الضخم. وذكر التحليل إن مبادرة الحزام والطريق، عادت وهي أكبر حجمًا.
فوائد متعددة
واعتبر التحليل أن تحول المبادرة من دفعة للبنية التحتية إلى أداة مرنة للتكامل التكنولوجي الصناعي ليس مصادفة، بل إنه ضرورة استراتيجية صُممت لتخفيف الضغوط المتراكمة التي تضغط على الاقتصاد الصيني من اتجاهين متعاكسين. فداخليًا، واجهت الصين أزمة حادة في فائض الطاقة الإنتاجية بسبب ضعف الطلب الاستهلاكي بعد الجائحة.
هذا الفائض الداخلي أنجب الفائض التجاري القياسي للصين في 2025، وهو ازدهار تصديري مدفوع بشكل ساحق بالصناعات الخضراء وعالية التقنية. ووفقًا لمجلس الدولة الصيني، قفزت صادرات التكنولوجيا العالية بنسبة 13.2% العام الماضي. وكان الارتفاع في منتجات الطاقة النظيفة أكثر وضوحاً، إذ زادت صادرات السيارات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم، والألواح الشمسية بنسبة 27.1%، بينما قفزت توربينات الرياح بنسبة 48.7%.
وخارجيًا، تواجه الصين تحديًا موازيًا. ففي الوقت الذي تتحول فيه الشركات الصينية نحو توسع عالمي كبير، تُغلق الأبواب الغربية. ومن خلال سياساتها التجارية، بنت واشنطن حواجز عالية، دافعة متوسط الرسوم الفعالة على الواردات إلى نحو 16% -وهو أعلى مستوى منذ 1936. ونتيجة لذلك، تراجعت الصادرات الصينية المباشرة إلى الولايات المتحدة بنسبة 20% في 2025. وبالمثل، فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا تعويضية عقابية تصل إلى 45.3% على السيارات الكهربائية الصينية في 2024.
ونتيجة لضغوط فائض الإنتاج المحلي وقيود الوصول إلى الأسواق، أعادت بكين ابتكار مبادرة الحزام والطريق، في انعكاس لفن إدارتها الاقتصادية الأوسع المرتكز على نموذج “التنمية الجديدة” التي وردت في الخطة الخمسية الرابعة عشرة. وتركز على الانتقال من الإنتاج منخفض القيمة إلى عالي القيمة.
ومن خلال دمج الدول الشريكة في النظام الصناعي الصيني، تهدف بكين إلى تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية في المنبع، وخلق أسواق بديلة في المصب، وابتكار قنوات جديدة للوصول إلى المستهلكين الغربيين.
وقد أدى هذا التوجه السياسي إلى تحول قطاعي ملحوظ على الأرض. ففي عام 2025، بلغت مشاريع البناء في مجالي التكنولوجيا والتصنيع ضمن المبادرة رقمًا قياسيًا قدره 28.7 مليار دولار. واستهدفت هذه المشاريع -الممولة غالبًا بالقروض- مصانع بطاريات السيارات الكهربائية، ومنشآت أشباه الموصلات، ومراكز البيانات. وفي الوقت نفسه، بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر الخارج في تصنيع الطاقة الخضراء مستوى قياسيًا عند 18.3 مليار دولار.
محوران رئيسيان
ولتجاوز الحواجز الغربية، تعمل استراتيجية المبادرة على محورين رئيسيين. الأول هو “القفز فوق الرسوم” عبر نقل سلاسل التوريد. من خلال زرع القدرات التصنيعية في ولايات وسيطة منخفضة الرسوم، تحافظ الشركات الصينية على وصول غير مباشر إلى المستهلكين الغربيين. ففي جنوب شرق آسيا، تضاعف الاستثمار الصيني في إندونيسيا وماليزيا وتايلاند وفيتنام أربع مرات خلال العقد الماضي.
كما تقوم الشركات بالقفز الجغرافي عالميًا لتقليل التعرض للرسوم. على سبيل المثال، ألغت شركة Boway Alloys مصنعًا مخططًا في فيتنام لصالح نقل الإنتاج إلى المغرب للاستفادة من معدل رسوم أمريكي أقل. وتستثمر شركة Longi Energy في مشاريع الهيدروجين الأخضر في نيجيريا لنقل إنتاج التكنولوجيا النظيفة بعيدًا عن الرسوم الأمريكية العقابية. وبالمثل، يسمح مصنع BYD الجديد في المجر بتجاوز الرسوم الأوروبية عبر الحصول على صفة “بلد المنشأ” الأوروبي للسيارات.
أما المحور الثاني، فيحول المبادرة إلى صانع سوق عالمي، عبر تنمية الجنوب العالمي كقاعدة استهلاكية للسلع الصينية. فبينما تراجعت الصادرات المباشرة إلى الولايات المتحدة، بلغت التجارة الثنائية مع دول المبادرة 23.6 تريليون يوان في 2025، أي نحو 3.4 تريليون دولار، بزيادة 6.3%.
وفي هذا الإطار، تبرز أفريقيا كنقطة محورية في هذا التحول. فقد ارتفعت مشروعات المبادرة هناك بنسبة 283% في 2025 لتصل إلى 61.2 مليار دولار، وقفزت الصادرات الصينية إلى القارة بنحو 18%.
ومن الضروري تأمين المواد الخام اللازمة لهذا التوسع الصناعي. وفي 2025، بلغت استثمارات التعدين ضمن المبادرة 32.6 مليار دولار، مع تركيز على النحاس والألمنيوم والليثيوم.
واعتبر التحليل أن "الحزام والطريق" لم يعد بذلك مجرد مبادرة لمشروع ربط، بل أصبحت محور الدفاع الاقتصادي لبكين. فمن خلال تحسين موقعها في سلاسل التوريد وتعميق اندماجها مع الجنوب العالمي، تسعى الصين لضمان عدم تهميشها مهما ارتفعت الحواجز الغربية.
وإذا كان التحول نحو التصنيع الخارجي يمثل “العتاد”، فإن اتفاقيات التجارة الحرة تمثل “البرمجيات”. وتسعى بكين إلى بناء بنية تحتية ناعمة عبر تشكيل قواعد التجارة العالمية بما يخدم مصالحها. الهدف لم يعد فقط بناء الطرق والموانئ، بل كتابة القواعد وإدارة التدفقات التجارية.