«سيلفي» وموسيقى البوب.. اليابان والصين تتنافسان على «قلب» سول
في سياق إقليمي ودولي معقد، انتهجت كوريا الجنوبية «سياسة توازن دقيقة»، في محاولة تجنب الانحياز الصريح لأي طرف، وخاصة مع تدهور علاقات الصين واليابان وعدم استقرار السياسة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب.
وتسعى كل من بكين وطوكيو إلى استمالة سول عبر ما يمكن وصفه بـ"الدبلوماسية الناعمة" وهو ما ظهر خلال زيارة الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ للبلدين وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.
وأوضحت الصحيفة أن الرئيس الصيني شي جين بينغ أظهر دفئًا غير معتاد خلال لقائه مع لي في بكين، حيث التقطا صور "سيلفي" باستخدام هاتف كان شي قد أهداه لنظيره الكوري الجنوبي سابقًا.
من جهة أخرى، فاجأت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي ضيفها بدعوته إلى جلسة عزف مرتجلة على الطبول على أنغام موسيقى كيبوب، في مشهد رمزي عكس محاولة طوكيو لكسر الحواجز النفسية والتاريخية.
وتأتي هذه الجهود المتزامنة في وقت تشهد فيه العلاقات الصينية–اليابانية توترًا حادًا، خاصة بعد تصريحات تاكايتشي التي أشارت فيها إلى احتمال تدخل اليابان عسكريًا في حال غزو الصين لتايوان.
إجراءات تصعيدية
وردت بكين على ذلك بسلسلة من الإجراءات التصعيدية، شملت استعراض القوة العسكرية وفرض قيود اقتصادية، مثل تقييد صادرات المعادن النادرة وتحذير المواطنين الصينيين من السفر إلى اليابان.
ورغم ذلك، رفضت تاكايتشي التراجع عن تصريحاتها، مستفيدة من ارتفاع شعبيتها الداخلية نتيجة موقفها المتشدد تجاه الصين.
في هذا الإطار، ترى بكين في سول شريكًا محتملًا يمكن استقطابه لموازنة طوكيو والحد من تشكيل محور ثلاثي يضم الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية لاحتواء النفوذ الصيني.
ويستدعي الخطاب الصيني الذاكرة التاريخية المشتركة للصين وكوريا بوصفهما ضحيتين للإمبراطورية اليابانية خلال النصف الأول من القرن العشرين، في محاولة لبناء أرضية سياسية وأخلاقية مشتركة.

وفي بياناتها الرسمية، أكدت بكين على ضرورة "الوقوف في الجانب الصحيح من التاريخ" والدفاع عن نتائج الحرب العالمية الثانية واستقرار شمال شرق آسيا.
في المقابل، تسعى اليابان إلى تعزيز علاقتها مع كوريا الجنوبية بوصفها شريكًا أمنيًا واقتصاديًا أساسيًا، خاصة في ظل الضغوط الصينية وتقلبات السياسة الأمريكية فكلا البلدين حليفان للولايات المتحدة، لكنهما يواجهان إدارة أمريكية تشكك في قيمة التحالفات التقليدية وتفرض رسومًا جمركية على صناعات حيوية. لذلك ترى طوكيو في التقارب مع سول وسيلة لتعزيز الاستقرار الإقليمي وتقوية الجبهة المشتركة في مواجهة التحديات الكبرى.
أما كوريا الجنوبية، فتحاول تجنب الانجرار إلى الصراع الصيني–الياباني فقبل زيارته لليابان أكد لي أن المواجهة بين بكين وطوكيو غير مطلوبة ودعا إلى حل الخلافات عبر الحوار لكن هذا الموقف الحذر لم يمنع الطرفين من بذل جهود مكثفة لجعله يشعر بأنه "صديق مميز".
وكانت زيارة لي إلى الصين هي الأولى لرئيس كوري جنوبي منذ عام 2019، ورافقه وفد ضخم من قادة الأعمال، في إشارة واضحة إلى أهمية الصين بوصفها أكبر شريك تجاري لسول خاصة وأن لي كان قد تعهد منذ توليه المنصب بإصلاح العلاقات مع بكين والتي تدهورت في عهد سلفه.
ورغم المراسم الحافلة واللغة الودية، لم يحصل لي على تعهدات صينية واضحة بشأن دفع كوريا الشمالية نحو نزع السلاح النووي، إذ اكتفى شي بالتأكيد على ضرورة "الصبر" في التعامل مع بيونغ يانغ.
وفي اليابان، اتخذت الزيارة طابعًا رمزيًا مختلفًا، حيث ركزت على بناء علاقة شخصية ودافئة بين الزعيمين وتجاوز الخلافات التاريخية العميقة ولو مؤقتا بما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية التعاون المستقبلي في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة.
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لسياسة لي الخارجية لم يأت بعد فإذا تصادمت المصالح الجوهرية مثل موقف الصين من تايوان، أو القضايا التاريخية العالقة مع اليابان سيجد الرئيس الكوري الجنوبي نفسه أمام خيارات صعبة قد تهدد هذا التوازن الدقيق.
وحتى الآن، نجح لي في السير على حبل دبلوماسي مشدود، لكن استمرار هذا النهج سيعتمد على قدرته على إدارة الضغوط المتعارضة دون خسارة أي من الشركاء الرئيسيين.