سحب «الأباتشي» من كوريا الجنوبية.. إعادة تموضع أم تراجع أمريكي؟
أعلن الجيش الأمريكي سحب إحدى وحداته الرئيسية المتخصصة في الاستطلاع والهجوم بالمروحيات، كانت متمركزة في مواقع متقدمة داخل كوريا الجنوبية وعلى مقربة مباشرة من كوريا الشمالية.
وجرى سحب الوحدة التابعة للفوج السابع عشر من سلاح الفرسان، بعد أكثر من 3 سنوات من انتشارها في معسكر همفريز بمدينة بيونغتايك، على بعد نحو 60 كيلومترًا جنوب سول، وعلى مسافة دقائق طيران من أهداف محتملة داخل أراضي كوريا الشمالية، وفقا لمجلة مليتري ووتشز.
وكانت الوحدة تُشغّل مروحيات هجومية من طراز أباتشي إيه إتش-64، إلى جانب مجموعة واسعة من طائرات الاستطلاع الجوي، ما جعلها إحدى أكثر الوحدات الأمريكية تقدمًا وانتشارًا في شبه الجزيرة الكورية.
ووفق تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس، جاء قرار التعطيل في إطار مبادرة شاملة لتحديث الجيش الأمريكي، إلا أن هذه الخطوة أثارت تكهنات واسعة بشأن احتمال أن تكون جزءًا من تخفيضات دائمة للقوات الأمريكية في المنطقة، رغم استمرار حالة التوتر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية.
ولا تزال واشنطن تعتبر بيونغ يانغ خصمًا مباشرًا، وترفض الاعتراف بها دبلوماسيًا رغم عضويتها في الأمم المتحدة، وقد درجت على نشر بعض من أكثر قواتها البرية تطورًا قرب الحدود الكورية، ما يجعل أي تقليص في هذا الانتشار موضع تساؤل استراتيجي.
وفي تعليق رسمي على القرار، قال وزير الدفاع الكوري الجنوبي آن غيو باك إن سحب وحدة الأباتشي يبدو جزءًا من تغييرات أوسع داخل الجيش الأمريكي، ولا يقتصر على القوات المتمركزة في كوريا الجنوبية وحدها.
وأضاف: «يبدو أن هناك تحولات جارية في كيفية تعامل الجيش الأمريكي مع مروحيات الأباتشي ضمن إصلاحات أوسع تشمل القوات المسلحة ككل».
وتُعد مروحية أباتشي العمود الفقري للقوة الهجومية العمودية في الجيوش الغربية، وهي المروحية الهجومية الثقيلة الوحيدة العاملة على هذا النطاق في الغرب. وغالبًا ما تُقارن بنظيرتها الروسية مي-24، فيما تقترب الطرازات الأحدث منها في مستوى إلكترونيات الطيران والتسليح من مروحيات روسية أكثر تطورًا مثل مي-28 وكا-52.
ويأتي سحب وحدة الأباتشي الأمريكية بالتوازي مع قرار لافت من وزارة الدفاع الكورية الجنوبية بتقليص طلباتها من المروحية نفسها، وهو ما فسره محللون على نطاق واسع باعتباره انعكاسًا لمخاوف متزايدة بشأن هشاشة المروحيات، بما فيها الهجومية المتقدمة، أمام التهديدات الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة.

فقد أثبتت الحروب الحديثة، ولا سيما في أوكرانيا، أن المروحيات باتت عرضة للاستهداف بشكل متزايد في بيئات مشبعة بالمسيرات وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة.
وتفاقمت هذه المخاوف مع مؤشرات على تسارع وتيرة تحديث برنامج الطائرات المسيّرة في كوريا الشمالية، بما في ذلك تقارير عن إرسال آلاف العمال الكوريين الشماليين للعمل في خطوط الإنتاج الروسية لتصنيع مسيرات متقدمة.
ويُرجّح محللون أن هذا التعاون قد يُترجم إلى تهديد مباشر للمروحيات المنتشرة في عمق الأراضي الكورية الجنوبية.
كما واصلت بيونغ يانغ تعزيز قدرات وحداتها الأمامية، عبر نشر صاروخ «بولساي-4» المضاد للدبابات، الذي يُعد من بين الأكثر تطورًا في فئته عالميًا.
ويبلغ مدى الصاروخ نحو 10 كيلومترات، أي أكثر من ضعف مدى صاروخ «جافلين» الأمريكي، ويتمتع بقدرات متقدمة للهجوم من الأعلى وإطلاق النار دون الحاجة إلى توجيه مستمر، ما يجعله تهديدًا بالغ الخطورة للمروحيات الهجومية، خصوصًا في مسارح قتال ضيقة مثل شبه الجزيرة الكورية.

وتُعد الأباتشي أقدم مروحية هجومية ثقيلة لا تزال قيد الإنتاج في العالم، إذ يعود تطويرها إلى ذروة الحرب الباردة، حين منحتها الولايات المتحدة أولوية قصوى لمواجهة التفوق الذي حققته المروحية السوفياتية مي-24 في ذلك الوقت.
غير أن المخاوف بشأن موثوقية هذا الطراز تجددت مؤخرًا، بعد تحطم 4 مروحيات أباتشي خلال 44 يومًا فقط في مطلع عام 2024، من بينها حادثتان وقعتا خلال 3 أيام في شهر مارس/ آذار.
وفي المقابل، لا تمتلك كوريا الشمالية مروحيات هجومية ثقيلة خاصة بها، رغم تكهنات متكررة بإمكانية حصولها على عدد محدود من روسيا، ضمن ترتيبات غير مباشرة مقابل إمدادات أسلحة قُدّرت قيمتها بعشرات المليارات من الدولارات.
غير أن الدور المحدود نسبيًا للمروحيات داخل الجيش الشعبي الكوري الشمالي، مقارنة بجيوش الولايات المتحدة وروسيا وكوريا الجنوبية، يجعل من المرجح أن تُوجه الموارد الكورية الشمالية نحو أولويات تسليحية أخرى أكثر إلحاحًا.