أسرع حاسوب فائق في العالم يغادر أمريكا.. الصين تنتزع التاج من جديد
استعادت الصين لقبا مرموقا في مجال الحوسبة من أمريكا، مما صعّد منافسة التكنولوجيا العالمية بين بكين وواشنطن.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، فقد تم إعلان LineShine، وهو نظام حوسبة ضخم في مدينة شنتشن الصينية، أنه بات الأسرع في العالم، وذلك من قبل مجموعة من الباحثين الذين استخدموا مجموعة من الاختبارات القياسية للحواسيب الفائقة.
و"الحواسيب الفائقة" مصطلح يُطلق على أكبر الآلات المخصصة للأبحاث العلمية، منذ ستينيات القرن الماضي وتستخدم في مهام مثل بناء نماذج المناخ، وفك الشيفرات، وتصميم الأسلحة النووية.
وعادةً ما تستخدم رياضيات عالية الدقة، حيث تمثل الأرقام باستخدام 64 بتًا من البيانات.
أما أنظمة الذكاء الاصطناعي التجارية التابعة لشركات مثل غوغل وأوبن إيه أى، فقد تكون أسرع من ذلك. إذ يمكنها استخدام تقريبات في مهام مثل التعرف على الصور أو اختيار الكلمة التالية في الجملة، بالاعتماد على ما يُعرف بالأرقام ذات الأربع والثماني بتات، مما يسمح بإجراء عدد كبير من العمليات الحسابية الأبسط في الوقت نفسه.
نجاح صيني فائق
وإلى جانب السرعة، تميز النظام الصيني لأنه يستخدم فقط معالجات دقيقة قياسية، تُعرف باسم وحدات المعالجة المركزية (CPUs)، بدلاً من وحدات معالجة الرسوميات (GPUs)، والتي تعتمد عليها معظم الحواسيب الفائقة المتقدمة في إجراء العمليات الحسابية المكثفة.
ولا يفصل نظام LineShine بين الوظائف التقليدية للمعالجات الدقيقة ووحدات معالجة الرسوميات كما تفعل معظم الأنظمة المتقدمة. وبدلاً من ذلك، يدمج مهام شبيهة بمهام وحدات معالجة الرسوميات من خلال دوائر متخصصة تُسرّع عمليات حساب المصفوفات والمتجهات.
وتعتمد هذه الرقائق على تصميم أصلي يستند إلى مجموعة تعليمات مرخصة من شركة Arm Holdings البريطانية، التي تسيطر عليها مجموعة SoftBank اليابانية.
وتعمل Arm منذ فترة طويلة في الصين. وقالت متحدثة باسم الشركة: «تعمل Arm عالميًا، بما في ذلك في الصين، وفقًا لقوانين ولوائح الرقابة على الصادرات المعمول بها».
وقال أحد منظمي قائمة Top500 الخاصة بأقوى الحواسيب الفائقة في العالم، جاك دونغارا، إن هذا التصميم الأساسي الصيني قد يشير إلى طريقة أفضل لدمج الذكاء الاصطناعي مع المهام العلمية التقليدية.
وقد عاين أستاذ علوم الحاسوب والهندسة الكهربائية في جامعة تينيسي، الدكتور دونغارا، الآلة الجديدة مؤخرًا في مركز شنتشن للحوسبة السحابية.
وكانت نتائج اختبارات LineShine أسرع بأكثر من 20% من نتائج El Capitan، وهو نظام موجود في مختبر لورانس ليفرمور الوطني في كاليفورنيا وكان يتصدر التصنيف نصف السنوي لأداء الحواسيب الفائقة منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ولم تتصدر الصين هذه القائمة منذ عام 2017.
وقال الدكتور دونغارا عن LineShine: «إنه نظام مثير للإعجاب. لقد تفوقوا علينا من خلال تطوير نظام لا يعتمد على وحدات معالجة الرسوميات».
زخم في السباق العالمي
ويضيف الحاسوب الفائق الجديد بعدًا آخر إلى السباق بين الصين والولايات المتحدة نحو التفوق التكنولوجي.
فقد طورت شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة مثل أوبن إيه أى وأنثروبيك وغوغل نماذج رائدة للذكاء الاصطناعي، بينما أصبحت شركة إنفيديا المورد المهيمن عالميًا لرقائق الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، حاولت الصين الابتكار بطرق مختلفة، حيث أطلقت الشركة الناشئة الصينية ديب سيك العام الماضي نموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي مستخدمةً جزءًا ضئيلًا فقط من رقائق الذكاء الاصطناعي المتخصصة.
ولمنع الصين من اللحاق بالركب، فرض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسومًا جمركية ووضع في بعض الأحيان قيودًا على صادرات رقائق الذكاء الاصطناعي.
وعندما حد المسؤولون الأمريكيون من وصول الصين إلى وحدات معالجة الرسوميات وغيرها من الرقائق المتقدمة، بالإضافة إلى تقييد تصدير بعض الآلات المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات الأكثر تطورًا، فإن ذلك دفع الصين، بحسب الدكتور دونغارا، «إلى الاستثمار في تطوير معماريات وتقنيات تسمح لها بامتلاك حواسيب فائقة بمستوى مماثل لأعلى الأنظمة أداءً في الولايات المتحدة».
وقال الباحث البارز في معهد الصراع العالمي والتعاون بجامعة كاليفورنيا، جيمي غودريتش: «ينبغي للحكومة الأمريكية أن تفرض ضوابط أقوى على تصدير وتصنيع وحدات المعالجة المركزية للسوق الصينية".
واضاف: إنها ثغرة في اللوائح الحالية».ورغم أن الشركات الأمريكية هيمنت تاريخيًا على المراكز العليا للحواسيب الفائقة، فإن أنظمة أجنبية تمكنت أحيانًا من الوصول إلى الصدارة. فعلى سبيل المثال، احتل نظام ياباني المركز الأول في القائمة بين عامي 2020 و2022.
وقال المحلل في شركة Intersect360 Research المتخصصة في متابعة القطاع، أديسون سنيل: «هناك الكثير من الحديث عن أن أمريكا هي الدولة الوحيدة القادرة على بناء هذه الأنظمة. ثم تكتشف أن دولًا وشركات أخرى تمتلك هذه القدرات أيضًا».
تهافت على الحواسيب الفائقة
وتتطلع المختبرات الوطنية الأمريكية، التي تُعد من أبرز مشتري أكبر الحواسيب الفائقة، إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع جوانب من أعمالها العلمية.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني، أطلقت إدارة ترامب مهمة غينيسيس (Genesis Mission)، التي تهدف إلى استغلال الحواسيب الفائقة في المختبرات الوطنية الأمريكية، إلى جانب شركات القطاع الخاص، لتعزيز أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم.
وكانت وحدات معالجة الرسوميات، التي تطورها أساسًا شركتا إنفيديا وايه ام دي سلاحًا حاسمًا في سباق الحواسيب الفائقة خلال السنوات الأخيرة. وتتميز هذه الرقائق بقدرتها على تنفيذ العديد من المهام في الوقت نفسه، بما في ذلك الحسابات المتجهية المستخدمة في العلوم وعمليات ضرب المصفوفات التي تشكل أساس كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي.