شبح تحت الأمواج.. غواصة الصين النووية الجديدة تكشف ملامح سباق الهيمنة
كشفت لقطات أرضية حصرية للمرة الأولى تفاصيل غير مسبوقة عن الغواصة النووية الصينية الجديدة التي أثارت اهتمام الأوساط العسكرية بعد رصدها عبر صور الأقمار الصناعية مطلع يونيو/حزيران الجاري في حوض بناء السفن «جيانغنان» بمدينة شنغهاي.
وتقدم الصور الجديدة، بحسب مجلة «مليتري ووتش»، مؤشرات مهمة على توجه بكين نحو جيل أكثر تطوراً من الغواصات الهجومية النووية، يتميز بقدرات تخفٍ عالية وتصميم انسيابي قد يعيد رسم موازين القوة تحت سطح البحار.
ورغم ترجيح التقديرات الأولية أن الغواصة الجديدة تخلت بالكامل عن الشراع التقليدي، أظهرت اللقطات المأخوذة من مستوى سطح الأرض وجود شراع صغير للغاية يتصل بمنظومة دفة ضخمة على شكل حرف إكس، وهو تصميم يراه خبراء دليلاً على توجه هندسي يهدف إلى تقليل مقاومة المياه وخفض الضوضاء إلى أدنى حد ممكن، بما يعزز السرعة والقدرة على المناورة مع الحفاظ على مستويات متقدمة من التخفي.
ويعتقد محللون أن الغواصة الجديدة تمثل نسخة متخصصة أو مطورة من غواصات الهجوم النووية الصينية من الفئة "095"، التي أطلقت بكين أولى وحداتها مطلع عام 2026 في حوض بناء السفن بمدينة هولوداو.

ويُنظر إلى هذا التطور باعتباره خطوة مهمة في مساعي الصين لتقليص الفجوة التقنية مع الولايات المتحدة في أحد أكثر المجالات العسكرية تعقيداً، وهو مجال الغواصات النووية الهجومية.
ورغم النجاحات الكبيرة التي حققتها الصناعات الدفاعية الصينية في مجالات متعددة، من المقاتلات الحديثة إلى المدمرات المتطورة والدبابات القتالية، فإن الغواصات النووية ظلت لفترة طويلة إحدى نقاط التفوق التقليدية للبحرية الأمريكية.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن بكين تتحرك بوتيرة متسارعة لتغيير هذه المعادلة، مدعومة بقدرات صناعية ضخمة وشبكة إنتاج متنامية تتيح لها توسيع أسطولها البحري بوتيرة غير مسبوقة.
ويعزز هذا التوجه امتلاك الصين حالياً ثلاث منشآت رئيسية لبناء الغواصات النووية في جيانغنان وبوهاي ومواقع أخرى متخصصة، وهو ما يمنحها قدرة إنتاجية تتجاوز معظم منافسيها، في وقت تعتمد فيه الولايات المتحدة على منشأتين رئيسيتين فقط لإنتاج هذا النوع من القطع البحرية الاستراتيجية.
ورغم استمرار الغموض بشأن المهام الدقيقة التي ستؤديها الغواصة الجديدة، فإن التقديرات تشير إلى أنها ستستفيد من مجموعة واسعة من التقنيات المتقدمة التي يجري تطويرها للفئة "095".
ما هي أبرز قدراتها؟
وتشمل هذه التقنيات أنظمة دفع حديثة تعتمد على المراوح الحلقية وتقنيات الدفع المتطورة التي تهدف إلى تقليص الضوضاء والاهتزازات إلى مستويات غير مسبوقة، إلى جانب تطويرات واسعة في تصميم الهيكل وأنظمة عزل المفاعل النووي وتقنيات الحد من البصمة الصوتية.
كما تشير المعطيات المتوافرة إلى اعتماد نظام دفع نفاث مائي بدلاً من المراوح التقليدية، وهي تقنية تمنح الغواصة ميزة إضافية من خلال الحد من ظاهرة التكهف التي تعد أحد أبرز مصادر الضوضاء تحت الماء.
ويؤدي ذلك إلى زيادة صعوبة رصد الغواصة بواسطة أنظمة السونار المعادية، خصوصاً أثناء الإبحار بسرعات مرتفعة، ما يمنحها أفضلية تكتيكية كبيرة في بيئات القتال البحري الحديثة.
وفي هذا السياق، حذر عدد من الخبراء العسكريين الغربيين من أن دخول هذه القدرات إلى الخدمة الفعلية قد يغير موازين المنافسة البحرية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

ويعتقد الضابط السابق في البحرية الأمريكية كريستوفر كارلسون أن الغواصات الصينية الجديدة ستكون أكثر هدوءاً وصعوبة في الاكتشاف، الأمر الذي سيزيد من تعقيد التحديات التي تواجهها القوات البحرية الغربية في المنطقة.
ومع تسارع برامج التحديث والتوسع داخل الأسطول النووي الصيني، تبدو الولايات المتحدة بدورها في سباق محموم للحفاظ على تفوقها التقليدي تحت سطح البحر.
فقد كثفت البحرية الأمريكية خلال السنوات الأخيرة إعادة تموضع غواصاتها الهجومية النووية في منطقة المحيط الهادئ، مع تعزيز وجودها في قواعد استراتيجية بأستراليا وغوام وهاواي، في محاولة لمواكبة صعود قوة بحرية صينية باتت تضيق الفجوة التقنية والتشغيلية بوتيرة متسارعة.
وتمثل الغواصة الجديدة مؤشراً واضحاً على دخول المنافسة البحرية بين واشنطن وبكين مرحلة أكثر حساسية وتعقيداً، عنوانها الرئيسي «السيطرة على أعماق البحار في القرن الحادي والعشرين».