أكثر من مجرد عيد.. «الحصان الناري» محفز الاستهلاك المحلي في الصين
بدأت الثلاثاء عطلة رأس السنة القمرية (عيد الربيع) في الصين وهي أكبر موسم هجرة بشرية حول العالم.
وتمثل عطلة رأس السنة القمرية الممتدة هذا العام مناسبة ثقافية واجتماعية، لكنها أيضًا أداة اقتصادية استراتيجية تهدف إلى تحفيز الإنفاق المحلي وتقليل الاعتماد على الصادرات، بما يتماشى مع الأهداف الأوسع للخطة الخمسية القادمة لتعزيز استدامة النمو الاقتصادي الصيني.
ويبدأ عام الحصان الناري، أحد أندر التركيبات في الأبراج الصينية، إذ لا يتكرر إلا مرة كل 60 عاماً، وكان آخر ظهور له في 1966. ويرتبط ذلك بنظام يضم 12 حيواناً و5 عناصر، ما يجعل كل اقتران بينها دوريًا كل ستة عقود.
ويُنظر إلى النار كرمز للطاقة والاندفاع، فيما يعكس الحصان الحيوية والسرعة، لذلك يُعد هذا العام مرحلة تتسم بالقوة والحركة والتغير المتسارع.
أكبر هجرة بشرية في العالم
وبحسب تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية، فمن المتوقع أن يشهد موسم "تشون يون" أو التنقل الربيعي، الذي يمتد لمدة 40 يوماً، تنفيذ 9.5 مليار رحلة ركاب عبر أنحاء الصين، ارتفاعًا من 9 مليارات رحلة في العام الماضي، ما يعكس أكبر حركة انتقالية بشرية سنوية في العالم، رغم أن الصين لم تعد الدولة الأكثر سكاناً بعد أن تجاوزت الهند هذا الرقم في 2023.
والعطلة الرسمية لهذا العام مددت إلى 9 أيام بدلًا من 8، وهو ما يمنح المواطنين فرصة أطول لإنفاق أموالهم على الأنشطة الاحتفالية، بما في ذلك تقديم "هونغ باو"، وهو تقليد تقديم المبالغ المالية على شكل مظروف أحمر (عيدية) للأقارب خلال فترة الاحتفال. وبهدف تحفيز الاستهلاك، أعلنت الحكومة أنها ستوزع أكثر من 360 مليون يوان على شكل قسائم استهلاكية خلال شهر فبراير/شباط.
دفعة قوية للاقتصاد
ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن عطلة رأس السنة القمرية توفر دفعة فورية كبيرة لتجار التجزئة ومقدمي الخدمات، الذين قد يعانون من فترة ركود اقتصادي في فبراير/شباط لولا هذا الموسم. ومع ذلك، فإن الاقتصاد الصيني يواجه تحديات هيكلية؛ حيث تدخر الأسر الصينية نسبة كبيرة من دخلها (حوالي ثلثه) بينما يعتمد النمو الاقتصادي الإجمالي بشكل كبير على الصادرات إلى الخارج. ففي العام الماضي، سجلت مبيعات التجزئة الوطنية زيادة بنسبة 3.7% فقط، وهي أقل من معدل النمو الإجمالي للناتج المحلي البالغ 5%.
وتعد زيادة الطلب الداخلي أولوية أساسية في خطة الصين الخمسية المقبلة، التي ستتم الموافقة عليها في مارس/آذار من قبل البرلمان الصيني. وقد أكدت السلطات بالفعل أن تركيزها سيكون على "تعزيز الاستهلاك بقوة"، في خطوة تهدف إلى إعادة توازن الاقتصاد من الاعتماد على الصادرات إلى تعزيز السوق الداخلية. وفي يناير/كانون الثاني، أعلنت لجنة التنمية والإصلاح الوطنية أنها ستضع خطة عمل لتوسيع الطلب المحلي خلال السنوات الخمس المقبلة.
مجالات واعدة للاستهلاك
ومن بين المجالات الواعدة لزيادة الاستهلاك، يبرز قطاع الخدمات، بما في ذلك رعاية كبار السن والترفيه والصحة، الذي سجل نمواً بنسبة 5.5% العام الماضي. وتظل هذه القطاعات أقل تطوراً مقارنة بالسلع الاستهلاكية، ما يتيح فرصًا كبيرة للتوسع والنمو الاقتصادي المستدام.
وتلعب الفعاليات الثقافية والترفيهية، مثل دور السينما، دوراً رئيسياً في تحفيز الإنفاق خلال العطلة. فقد حقق فيلم الرسوم المتحركة "نزهة 2" العام الماضي نجاحاً كبيراً، محققًا 4.8 مليار يوان في أسبوعه الأول بعد طرحه خلال رأس السنة القمرية، قبل أن يتجاوز إجمالي إيراداته 14 مليار يوان، مسجلاً أفضل أداء في تاريخ السينما الصينية.
كما أظهرت محاولات ابتكارية لتحويل التقاليد إلى خدمات مدفوعة، مثل تجربة شركة التوصيل التي أطلقت خدمة "زيارة رأس السنة القمرية بالنيابة عن المستخدمين"، اهتمام السوق بتقديم منتجات جديدة، حتى لو واجهت بعض الجدل حول المساس بالطقوس التقليدية.