عام 2006 أطلقت كوندوليزا رايس، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مصطلح "الفوضى الخلاقة"، الذي بدا حينها أقرب إلى طموح سياسي يسعى إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط وفق مصالح واشنطن
يقوم على فكرة إثارة الاضطرابات داخل دول بعينها على أمل إحداث تغييرات سياسية تعيد رسم خرائط النفوذ بما يتماهى مع الأجندة الأمريكية.
غير أن التجربة أثبتت مع مرور الوقت أن تلك الفوضى لم تكن خلاقة إلا في توليد الفراغ المؤسسي وإفراز بيئة مضطربة وأرض خصبة لاحتضان أشكال التطرف والإرهاب، فمع اندلاع احتجاجات عام 2011 بالمنطقة، ظن البعض أن رياح التغيير ستأتي محملة بالديمقراطية، غير أن رياح الفوضى سرعان ما كشفت وجهها الآخر، إذ تحولت الميادين إلى مسارح لصراع الأجندات، وظهر من بين الغبار تنظيم الإخوان الذي أحسن استغلال العاطفة الشعبية ليعيد تقديم مشروعه القديم بثوب الثورة والنهضة، لكن سرعان ما تهاوت الوعود لتنكشف حقيقة التنظيم الذي وضع مصالحه فوق كل وطن وسعى إلى احتكار السلطة باسم الدين.
تصنيف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجماعة الإخوان منظمة إرهابية لم يكن خطوة معزولة، بل نتيجة تراكم طويل من الأدلة والممارسات التي عرت منهج هذه الجماعة منذ نشأتها عام 1928 على يد حسن البنا حيث جمعت بين الدعوة والعنف وبين العقيدة والطموح السياسي المغلف بشعارات دينية.
فالتاريخ يؤكد أن العنف ليس عرضا طارئا في فكر الجماعة، بل جزء من بنيتها التنظيمية وأن الصدام مع الدولة كان دوما وسيلتها إلى التمكين، ومع اتساع نطاق نشاطها العابر للحدود استثمرت في الصراعات الأهلية والطائفية لتكريس نفوذها متخفية تحت شعارات الإصلاح وهي في حقيقة الأمر تغذي الانقسام.
في مصر كما في ليبيا وفي تونس وفي اليمن وغيرها، أفرز الفراغ السياسي الذي خلفته الفوضى بيئة سمحت للإخوان بالتمدد عبر شبكات محلية تتصل بتنظيم دولي واسع حاول فرض هيمنته على القرار السياسي، غير أن التجارب سرعان ما كشفت زيف الخطاب وبؤس المشروع، فحيثما حط التنظيم بقدمه أي مكان سرعان ما يتبعه الانقسام والدماء والتراجع الاقتصادي وهو ما أفقده ما حاول تسويقه من شرعية.
في مقابل هذا المشهد، كانت دولة الإمارات منذ البدايات تقرأ المشهد بعقل حكيم وبصيرة نافذة لم تنخدع بالشعارات ولا بالخطابات الشعبوية، بل رصدت مبكرا جوهر المشروع الإخواني، فأصدرت في عام 2014 قرارها بتصنيف الجماعة تنظيما إرهابيا، سابقة بذلك كثير من العواصم الغربية التي كانت ما تزال تتعامل مع الإخوان كظاهرة سياسية قابلة للاحتواء.
لم يكن القرار وليد اللحظة بل استند إلى تحقيقات ووثائق وشهادات أظهرت أن الجماعة ليست حزبا سياسيا تقليديا، بل تنظيما أيديولوجيا سريا عابر الحدود يمتلك بنية موازية للدولة، ويرتبط بشبكات تمويل وعنف تتخفى خلف واجهات العمل الخيري والإعلامي.
تبنت دولة الإمارات منذ ذلك الحين استراتيجية شاملة ومتعددة الأبعاد تتضمن مواجهة أمنية صارمة وتجفيف لمصادر التمويل وتفكيك للسرديات الفكرية المتطرفة عبر مؤسسات بحثية وثقافية وإعلامية، وفي موازاة الجهد الأمني، عززت الدولة حضورها الفكري والإنساني في معركة الوعي، فأسست مراكز محورية مثل "هداية" عام 2012 لمكافحة التطرف، و"صواب" عام 2015 بالشراكة مع الولايات المتحدة لمواجهة الدعاية المتشددة في الفضاء الرقمي، كما أطلقت مبادرات عالمية لترسيخ قيم التسامح والعيش المشترك، كان من أبرزها وثيقة "الأخوة الإنسانية" و"بيت العائلة الإبراهيمية"، اللذان تحولا إلى رمزين عالميين للسلم المجتمعي.
وعلى الصعيد الدولي، لم تكتف دولة الإمارات بالقول بل أدركته بالفعل حينما أسهمت بشكل فاعل في صياغة القرارات الأممية التي تربط بين خطاب الكراهية والتطرف، ودعمت مبادئ "أبوظبي التوجيهية" كمرجعية عالمية لمكافحة الإرهاب، ومؤخرا عينت مبعوثا خاصا لوزير الخارجية لشؤون مكافحة التطرف والإرهاب، في خطوة تؤكد تواصل التزامها بدورها الريادي ضمن الجهود الدولية.
كل ذلك استند على بنية إماراتية داخلية قوامها منظومة قانونية متكاملة لمكافحة الإرهاب وتمويله وغسل الأموال، عززتها تشريعات حديثة ومحاكمات علنية تقوم على أدلة دامغة، إلى جانب تحديث دوري لقوائم الإرهاب التي تشمل الكيانات والأفراد المرتبطين بالإخوان وشبكاتهم العابرة للحدود، هذا التكامل بين القوة الصلبة والبنية القانونية والاستراتيجية الفكرية جعل التجربة الإماراتية نموذجا يحتذى به في الجمع بين الحزم والتنوير.
اليوم، حين تعلن الولايات المتحدة إدراج تنظيم الإخوان ضمن قوائم الإرهاب، فإنها في الواقع تقر بصواب الرؤية الإماراتية التي أدركت منذ أكثر من عقد أن مواجهة التنظيم ليست خيارا سياسيا بل ضرورة أمنية، تلك الرؤية التي انطلقت من يقين ثابت بأن الإخوان ليسوا جزءا من الحل بل أحد جذور المشكلة، وأن حماية الدول لا تتحقق بمهادنة الفكر المتطرف، بل بكشفه ومواجهته في عمقه ووأده في مهده.
هكذا، فهمت دولة الإمارات أن المعركة ليست ضد جماعة بعينها، بل ضد مشروع يسعى لتوظيف الدين وسيلة للهيمنة ولتفكيك مفهوم الدولة الوطنية، وأن الدفاع عن الاستقرار لا يكون بالسلاح التقليدي وحده، بل بسلاح الوعي والمعرفة والتسامح، مواجهة مبكرة تحولت لاحقا إلى إلهام للغرب، ورسالة واضحة بأن الأمن الحقيقي يبدأ بالفكر قبل أن يبدأ بالبندقية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة