في الثالث عشر من يناير 2026 أعلنت إدارة ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية، مع فرض عقوبات اقتصادية شاملة طالت ممتلكاتها ومصالحها داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى كيانات أخرى خاضعة لسيطرتها المباشرة أو غير المباشرة
وعلى الرغم من أن القرار صدر ضمن إطار قانوني وأمني واضح، فإن دلالاته السياسية والاستراتيجية تتجاوز بكثير حدود الإجراء التقني، لتكشف عن تحوّل عميق في طريقة مقاربة واشنطن للإسلام السياسي العابر للحدود، وفي مقدّمته تنظيم الإخوان المسلمين بوصفه النموذج الأكثر رسوخًا وانتشارًا.
يعكس هذا التصنيف انتقالًا بنيويًا من منطق الاحتواء والمراقبة الذي حكم السياسات الأمريكية تجاه الجماعة لعقود، إلى منطق التجريم والتضييق المؤسسي. فالجماعة لم تعد تُقرأ باعتبارها فاعلًا سياسيًا يمكن استيعابه داخل قواعد اللعبة الديمقراطية أو توجيهه عبر الأدوات الناعمة، بل باتت تُدرج ضمن خانة التهديدات المحتملة للأمن القومي الأمريكي ولمصالحه الإقليمية والدولية. وتكمن أهمية هذا التحول في مركزية الدور الأمريكي داخل النظام الدولي، حيث لا تبقى القرارات الأمريكية محصورة في نطاقها الوطني، بل تتحول غالبًا إلى مرجعيات سياسية وقانونية تستند إليها دول أخرى في صياغة سياساتها.
يسهم هذا القرار في تعميق العزلة السياسية والقانونية لجماعة الإخوان المسلمين، ويقوّض قدرتها على العمل داخل البيئات الغربية التي شكّلت، على مدى سنوات طويلة، فضاءات مريحة نسبيًا لإعادة التنظيم، وإدارة الشبكات، وتدوير الموارد المالية والبشرية. كما يفتح الباب أمام توسّع محتمل للحظر على المستوى الدولي، سواء عبر قرارات رسمية من دول حليفة للولايات المتحدة، أو من خلال تشديد الرقابة القانونية والأمنية على أنشطة الجماعة وواجهاتها المختلفة، حتى في الدول التي لم تُقدم بعد على تصنيفها صراحة.
ولا تقتصر أهمية القرار على مضمونه فحسب، بل تمتد إلى توقيته وسياقه الدولي. فهو يأتي في لحظة عالمية تتراجع فيها مقولات التسامح مع التنظيمات الأيديولوجية العابرة للدول، وتتزايد فيها المخاوف من توظيف الدين في الصراعات السياسية والأمنية، خاصة في ظل تجارب العقد الأخير التي أظهرت محدودية قدرة هذه الحركات على الاندماج في الدولة الوطنية، أو احترام قواعد التعددية والتداول السلمي للسلطة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم التصنيف بوصفه جزءًا من إعادة رسم حدود المقبول وغير المقبول في الفضاء السياسي الدولي، وإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة من زاوية أمنية وسيادية.
وعليه، لا يبدو القرار الأمريكي حدثًا معزولًا أو عابرًا، بل حلقة في مسار أوسع يعيد تحديد موقع جماعة الإخوان المسلمين داخل النظام الدولي، ويضعها أمام واقع جديد تتقلص فيه مساحات المناورة، وترتفع فيه كلفة الاستمرار في الاعتماد على الصيغ التنظيمية والخطابية القديمة التي مكّنتها سابقًا من التكيّف وتجاوز الضغوط.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة