ليست معركة العالم العربي والإسلامي مع التطرف معركةً أمنية عابرة، ولا مواجهةً ظرفية مع جماعات مسلحة خرجت على القانون، بل صراعًا عميقًا على جوهر معنى الدولة.
وهل تبقى الدولة إطارًا جامعًا للعيش المشترك، أم تتحول إلى غنيمة تتنازعها الأيديولوجيات والمليشيات والولاءات العابرة للحدود؟
في هذا المفصل التاريخي، انقسمت المنطقة العربية، على مستوى الخيارات الاستراتيجية، بين محورين متعارضين:
محور الاعتدال، الذي تتبناه دول مثل الإمارات والسعودية ومصر والمغرب والأردن والبحرين ودول أخرى، ويرتكز على أولوية الدولة الوطنية، وربط الأمن بالتنمية، وتجفيف البيئات الحاضنة للتطرف.
ومحور المقاومة، الذي أثبتت تجاربه المتكررة أنه عاجز عن إنتاج دولة، وقادر فقط على إنتاج الفوضى، بما يحمله ذلك من آثار مباشرة على وحدة المجتمعات واستقرارها.
وفي هذا السياق برز الدور الإماراتي لا بوصفه تدخلًا سياسيًا تقليديًا، بل خيارًا فكريًا يرى في محاربة التطرف الشرط الأول للحفاظ على وحدة الدول، لا ذريعة لتفكيكها.
إن التطرف، في جوهره، لا يعترف بالجغرافيا ولا بالسيادة، ولا يرى في الدولة الوطنية سوى عائقٍ مؤقت أمام مشروعه الشمولي. وحيثما تمدّد، تآكلت المؤسسات، وانكفأ الاقتصاد، وتحوّل المجتمع إلى كتل متناحرة، تمهيدًا لتقسيمٍ صريح أو تفككٍ صامت. وعليه، فإن أي قراءة تفصل بين التطرف ومشاريع التقسيم إنما تعيد إنتاج الوهم ذاته الذي دمّر دولًا كاملة باسم «الحلول المؤقتة».
تحركت دولة الإمارات في أكثر من ساحة عربية، لا لتصدير نموذجها، بل لمنع انهيار نموذج الدولة ذاته أمام نموذج الإرهاب، ففي اليمن، لم يكن الانقلاب الحوثي حدَثًا سياسيًا عابرًا، بل كسرًا جذريًا لفكرة الشراكة الوطنية، وتحويلًا للدين إلى أداة تعبئة طائفية.
وجاءت المشاركة الإماراتية من خلال تلبية نداء عاصفة الحزم الذي أطلقتها السعودية وقد أشاد العالم أجمع بدور الإمارات في تحرير الجنوب اليمني من الحوثي والمنظمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش كما دعمت الإمارات الكثير من المشاريع التنموية في المحافظات الجنوبية.
وفي ليبيا، حين تحولت بنغازي إلى ساحة مفتوحة لتنظيمات القاعدة وداعش، لم يعد الصراع صراع نفوذ، بل صراع وجود. فالتنظيمات المتطرفة لا تُنتج حكمًا، بل فراغًا، ولا تبني دولة، بل تفتح الطريق لتدويل الصراع وتقسيم الأرض.
أما مصر، فقد واجهت اختبارًا مصيريًا حين اصطدم منطق الدولة بمنطق التنظيم. لم تكن المسألة تداول سلطة، بل سؤالًا بنيويًا: من يحكم، الدولة أم الجماعة؟ ولولا الدعم الإماراتي، سياسيًا واقتصاديًا، لكان ثمن هذا الصدام أعلى، ولانفتح الباب أمام فوضى كانت ستطال الإقليم بأسره.
وفي السودان، انكشف أصل المأساة بوصفه صراعًا بين عسكريين على السلطة، تغذّى على إرثٍ أيديولوجي يرى في الفوضى مرحلةً انتقالية لإعادة تشكيل الدولة وفق منطق التنظيم لا منطق المؤسسات. وحين تُختزل الدولة في ميزان القوة، ويُستبدل القانون بالسلاح، يصبح الانقسام قدرًا لا نتيجة.
العراق وسوريا والصومال شواهد حيّة على النتيجة النهائية للتعايش مع التطرف: دول مستنزفة، وسيادة منقوصة، ومجتمعات عالقة بين العنف والحنين إلى دولة لم تكتمل.
وفي هذا الامتداد المنطقي للصراع ذاته، تبلور مسار الاتفاقيات الإبراهيمية باعتباره محاولة واعية لإعادة هندسة إدارة هذا الاشتباك، والخروج به من منطق الاستنزاف المفتوح إلى مقاربة عقلانية تقلّص كلفته وتغلق الفضاءات التي يتغذّى منها التطرف.
ولقد رأت دولة الإمارات أن فتح قنوات سياسية قد يكون أداة لتجفيف منابع التطرف، لا مكافأة له، وأن تقليل منسوب العداء المنفلت يحدّ من قدرة التنظيمات الأيديولوجية على الاستثمار في الغضب واليأس. ولم يكن هذا المسار معزولًا عن الإقليم؛ بل كانت السعودية تسير في اتجاه مقارب، قبل أن تعيد حرب غزة ترتيب الأولويات.
كما أن الاتهام القائل بأن الإمارات «وكيل لإسرائيل» يتهاوى أمام حقيقة أن القنوات المفتوحة واجهت الكثير من التحديات والشد والجذب خلال حرب غزة وحتى قبلها لم تكن العلاقات الإماراتية الاسرائيلية سمن على عسل كما يظن البعض.. وعانت الإمارات كثيرا خلال حرب غزة مع الجانب الاسرائيلي لتسهيل الجهد الإنساني ودعم المدنيين في غزة، لا لتبرير العدوان ولا لتصفية الحقوق، بل لتقليص الكلفة البشرية للصراع.
لا شك أن إسرائيل باتت تمثّل وزنًا فعليًا في معادلة الإقليم، بحكم قوتها العسكرية والتقنية والاستخباراتية، ولا يمكن تجاهل أثرها في إعادة تشكيل توازنات ما بعد السابع من أكتوبر، عبر ضرب محور التطرف و إضعاف النفوذ الإيراني وتقليص فاعلية أذرعه في أكثر من ساحة. وهو واقع لم يكن وليد اللحظة، بل كانت دول محور الاعتدال — وفي مقدمتها السعودية — تواجه تداعياته منذ سنوات طويلة. وقد دفع هذا التحول بعض الأطراف التي تعاني من هشاشة الدولة واختلال العدالة الاجتماعية — في الصومال وكردستان واليمن والسودان — إلى إعادة تموضعٍ سياسي، تجلّى في استعدادٍ متزايد للانخراط في مسارات الاتفاقيات الإبراهيمية، تعويلًا على قدرة هذا المحور على توفير حدٍّ أدنى من الاستقرار في إقليم مضطرب، وضمن مظلة الرعاية الأمريكية التي أعادت لهذا المسار زخمه
أما السردية الإخوانية التي تصرّ على تقديم الدور الإماراتي بوصفه مشروعًا لتقسيم الدول وتنفيذًا لأجندة إسرائيلية، فهي ليست نتاج قراءة سياسية بقدر ما هي استمرار لخطاب تعبوي قائم على التشويه المنهجي. خطابٌ لا يخاطب وعي المجتمعات، بل يراهن على عاطفتها، ولا يناقش الوقائع، بل يستثمر في الشكوك. وهي السردية ذاتها التي شوّهت السعودية حتى مست ثوابت الدين، وشككت في شعيرة الحج، ودعت إلى «تحرير» مكة والمدينة من سلطة آل سعود، على حد قولهم.. ثم أعادت إنتاج المنهج نفسه في تشويه مصر ونظام الرئيس عبد الفتاح السيسي، مستخدمة اللغة ذاتها، والأدوات ذاتها، والعجز ذاته عن تقديم بديل سياسي أو مشروع دولة.
ومن المفارقات العجيبة أن السردية ذاتها، وقد استنفدت أدواتها القديمة، تحاول اليوم أن تُروِّج — بقدرٍ من الانحطاط الأخلاقي قبل السياسي — أن دولة الإمارات «تحذّر أوروبا من الإسلام»، في ادعاء لا يصمد أمام أبسط معاينة واقعية. فالإمارات، التي تحتضن واحدة من أكثر التجارب الدينية تسامحًا وتنظيمًا في العالم الإسلامي، تضم من المساجد والمؤسسات الدينية ما يفوق ما تملكه دول إسلامية عديدة مجتمعة، لا بوصفها رموزًا شكلية، بل باعتبارها فضاءات مفتوحة للعبادة، والتعايش، والتنوع المذهبي والثقافي. إن من يحارب الإسلام سياسيًا لا يبني له كل هذا الحضور المؤسسي، ولا يقدّمه نموذجًا حضاريًا في قلب عالم متعدد.
لكن السردية الإخوانية، حين تعجز عن قراءة الواقع، تلجأ إلى قلبه، وحين تفشل في مواجهة المنجز، تختلق له نقيضًا وهميًا لتستمر في خطابها التعبوي القائم على الكذب و التضليل و الفجور.
وخلاصة القول أن من يحارب التطرف لا يمكن أن يكون داعمًا للتقسيم. فالتقسيم ليس مشروع الاعتدال، بل النتيجة الطبيعية لانتصار الفكر المتطرف. والرهان الحقيقي اليوم ليس على تبديل التحالفات، بل على حماية الدولة من الاختطاف، وصون المجتمع من الفوضى، والدفاع عن السِّلم بوصفه آخر خطوط الدفاع عن بقاء الأوطان.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة