لم يكن قرار تحرير حضرموت والمهرة من هيمنة جماعة الإخوان المسلمين إجراءً أمنيًا عابرًا، ولا خطوة إدارية مؤقتة، بل لحظة سياسية كاشفة أسقطت الأقنعة دفعة واحدة.
فبمجرد أن خسر الإخوان نفوذهم في واحدة من أكثر مناطق الجنوب حساسية جغرافيًا واستراتيجيًا، انتقلت المواجهة من حيز السياسة إلى مستنقع التكفير والتحريض ونزع الإنسانية. هنا، لم يعد الخلاف حول إدارة أو شراكة، بل حول حق الجنوب في الوجود السياسي ذاته.
الردّ لم يكن نقاشًا سياسيًا ولا اعتراضًا قانونيًا، بل انفجارًا تكفيريًا فاضحًا. فتاوى تُطلق بلا خجل، تصف الجنوبيين بـ«الخوارج» و«الصهاينة»، وخطاب كراهية يُضخ عبر منصات منظمة، في محاولة سافرة لتجريد شعب كامل من إنسانيته وشرعيته. هذه ليست لغة دين، بل لغة تحريض بدائية، لا تُستخدم إلا حين تعجز السياسة، وتفشل الحجة، وينهار المشروع.
منذ تلك اللحظة، لم تعد المواجهة مع القضية الجنوبية خلافًا سياسيًا قابلًا للإدارة، بل حربًا على المعنى والهوية والحق في الوجود. التكفير هنا ليس زلة لسان ولا رأيًا متطرفًا معزولًا، بل أداة سياسية رجعية استُدعيت بوعي كامل لتبرير الإقصاء، وتهيئة المناخ الأخلاقي للعنف. وهذا بالضبط ما يجعل الأمر بالغ الخطورة: حين يتحول التكفير إلى سياسة، يصبح الدم نتيجة منطقية لا حادثًا طارئًا.
هذه الآلية معروفة في تاريخ اليمن والمنطقة. هكذا جرى الأمر في صيف 1994، حين سُبقت الدبابات بالفتاوى، وسُبق القتل بنزع الشرعية الأخلاقية عن الجنوب. واليوم، تُعاد المحاولة نفسها، لكن بوسائل أكثر انتشارًا، ومنصات أكثر تأثيرًا، ولغة أكثر وقاحة. الفرق الوحيد أن التكفير اليوم يُضخ علنًا، بلا مواربة، وكأنه موقف سياسي مشروع، لا جريمة أخلاقية وقانونية.
الأخطر أن هذا الخطاب لم يعد هامشيًا ولا محصورًا في زوايا متطرفة، بل صار خطابًا منظمًا ومُدارًا، يُستخدم كأداة ضغط سياسي. وهذا بحد ذاته إعلان إفلاس كامل. فحين لا يبقى لدى خصومك سوى تكفيرك، فهذا يعني أنهم فقدوا أي قدرة على المواجهة السياسية، ولم يتبقَّ لهم سوى استدعاء أكثر الأدوات قبحًا ووحشية في التاريخ السياسي العربي.
هنا تحديدًا، تصبح الردود التقليدية عديمة الجدوى. بيانات الشجب لا توقف التكفير، والخطاب الانفعالي لا يواجه التحريض. التكفير لا يُهزم بالكلمات، بل بالقانون. والعالم اليوم، بخلاف ما كان عليه في التسعينيات، يملك أطرًا قانونية صارمة لمواجهة خطاب الكراهية والتحريض المنظم، خصوصًا حين يرتبط بأيديولوجيات غذّت الإرهاب والعنف العابر للحدود.
من هذه الزاوية، تبرز ضرورة نقل القضية الجنوبية إلى مستوى دولي مختلف. ليس فقط بوصفها قضية سياسية تطالب بحق تقرير المصير، بل كنموذج صارخ لشعب يتعرض لحملة تكفير جماعي منظم. هذا ليس تغييرًا في جوهر القضية، بل تحصين لها. لأن مواجهة التكفير داخل الإطار المحلي تعني البقاء تحت رحمة مروّجيه، بينما نقله إلى الإطار الدولي يعني رفع كلفته وتحويله إلى عبء قانوني وأخلاقي على أصحابه.
توثيق الفتاوى، رصد الحملات، تحليل خطاب التحريض، وربطها بالمعايير الدولية لمكافحة التطرف وخطاب الكراهية، ليس ترفًا حقوقيًا ولا استعراضًا أخلاقيًا، بل سلاح دفاع سياسي مشروع. حين يُقدَّم هذا الخطاب إلى المؤسسات الدولية بوصفه تحريضًا على العنف الجماعي، يتحول من أداة ابتزاز إلى ملف إدانة.
والأهم من ذلك أن هذا المسار يُعيد تعريف الجنوب في المشهد الدولي. الجنوب هنا ليس طرفًا متمردًا ولا ملفًا قابلًا للاحتواء، بل طرفًا مسؤولًا يواجه أخطر أدوات التطرف: التكفير السياسي. وهذه ليست معركة الجنوب وحده، بل معركة كل من يريد دولة حديثة في هذه المنطقة، بلا وصاية دينية ولا ابتزاز أيديولوجي.
أما اتهام الجنوب بـ«الصهينة»، فهو نموذج فجّ لهذه اللغة المنحطة. ليس لأنه اتهام كاذب فحسب، بل لأنه إهانة للوقائع والتاريخ. الجنوب كان في طليعة من واجهوا التمدد الإيراني في اليمن، وقدّم دماءً حقيقية في تحرير عدن وكسر مشروع الحوثي، حين كان كثيرون يتفرجون أو يناورون. من قاتل المشروع الإيراني على الأرض لا يمكن أن يُتهم بالتواطؤ معه عبر هذه الأكاذيب الساذجة.
ثم إن تحويل الاتفاقيات الإبراهيمية إلى تهمة دينية أو أخلاقية يكشف فقرًا سياسيًا مدقعًا. هذه الاتفاقيات، سواء اتُّفق معها أو اختُلف حولها، هي قرارات سيادية اتخذتها دول ذات سيادة كاملة، سبقت إليها دول عربية وإقليمية محورية. لم تُكفَّر تلك الدول، ولم تُنزع عنها شرعيتها، ولم يُجرَّم قرارها. فلماذا يصبح الأمر «خيانة» فقط حين يُذكر في السياق الجنوبي؟ الجواب بسيط: الابتزاز لا المبادئ.
هذه الازدواجية الفجة تفضح حقيقة الخطاب التكفيري: هو لا يدافع عن فلسطين، ولا عن الدين، بل يستخدمهما كسلاح تخوين. الجنوب لا يُحاسَب على مواقفه الفعلية، بل يُعاقَب لأنه يرفض الوصاية، ويطالب بحقه السياسي، ويكسر احتكار القرار.
القضية الجنوبية ليست قضية شعارات ولا مزايدات أيديولوجية. هي قضية سياسية واضحة، مركزها حق تقرير المصير. لكن حمايتها اليوم تمر عبر معركة لا تقل أهمية: معركة سحق شرعية التكفير بوصفه أداة سياسية. لأن أي مشروع دولة لا يمكن أن يُبنى فوق فتاوى الكراهية، ولا يمكن أن يتعايش مع خطاب يُجرِّد الناس من إنسانيتهم.
لهذا، فإن الثبات على القضية الجنوبية اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة وجودية. والثبات هنا لا يعني الانفعال، بل الوضوح، ولا يعني الصراخ، بل الانتقال الذكي إلى القانون الدولي. الجنوب لا يطلب حماية، ولا يبحث عن وصاية جديدة، بل يطالب بمسار أممي واضح، يضع حدًا للتكفير بوصفه سياسة، ويُعيد الصراع إلى مكانه الطبيعي: السياسة لا الفتوى، والقانون لا التحريض.
في النهاية، ما يواجهه الجنوب اليوم ليس مجرد خصومة سياسية، بل محاولة لإعادته إلى زمن الإخضاع الأخلاقي والديني. والرد على ذلك لا يكون بالمجاملة ولا بالخوف، بل بكسر هذه اللغة الرجعية من جذورها. فالتكفير ليس رأيًا، بل جريمة. ومن يلوّح به، إنما يعلن إفلاسه الكامل. أمّا الجنوب، فمعركته اليوم ليست فقط على الأرض، بل على المعنى، وعلى الحق في أن يكون شعبًا يُدار بالقانون، لا بسكاكين الفتاوى.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة