تعلمنا في طفولتنا كيف نتكلم؛ لكن المعضلة في مجتمعاتنا العربية - في الغالب - أننا لم نتعلم كيف نسمع بقدر ما نتكلم ولا كيف نُحسن اختيار ما نقوله ومتى نقوله، وهذا ليس تعميماً لكنه منتشر بكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي!
لذلك تحولت المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي باتت أداة إعلامية حديثة إلى ضجيج دائم ووسيلة لتفريغ الانفعالات الجاهزة.
ومع الانتشار المفرط للمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي زاد الكلام لكن قل الفعل وغابت الكثير من الضوابط القانونية والأخلاقية والمسؤولية العامة.
وفيما نشهده اليوم نلاحظ أن الرأي بات ينتج قبل الفكرة؛ فالعديد من الردود تعكس ضحالة في الرأي.. لا بل ردودا جاهزة من دون التفكر فيما كتب وما يقال!.
وبالتالي لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل: من يتكلم أكثر؟ ومن يحصد تفاعلاً أعلى؟ وهذا التحول - طبعاً - لا يعبر فقط عن خلل في استخدام التكنولوجيا بل يكشف أزمة أعمق في ثقافة الاستماع والعمل؛ فالمجتمعات التي تتقدم تقاس إمكانياتها بحجم قدرتها على تحويل المعرفة إلى فعل والاختلاف إلى حلول وهو ما نعانيه، للأسف!.
نناقش القضايا الكبرى لساعاتٍ طويلة، من التعليم إلى الاقتصاد ومن القيم إلى العدالة لكن أثر هذه النقاشات يظل محدوداً ما لم يُترجم إلى مبادرات وتشريعات وسلوك يومي مسؤول.
الإفراط في المحتوى غير المنضبط على المنصات الرقمية يضعف القدرة على التركيز ويعزز الاستقطاب ويخلق وهماً بالمشاركة العامة من دون أثر حقيقي على أرض الواقع وهذا "الضجيج الرقمي" يجعل الفعل أقل إلحاحا لأن الكلام يعطي شعورا غير حقيقي بالإنجاز.
المجتمعات التي نجحت لم تفعل ذلك عبر خطابات حماسية بل عبر سياسات واضحة، واستثمارات مستدامة ومساءلة مؤسسية حقيقية؛ فالكلام كان مقدمة، لا بديلاً عن الفعل.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي أمامنا ليس إسكات الأصوات بل إعادة التوازن بين القول والعمل.
أن نتعلم ثقافة الإصغاء قبل ثقافة الرد، وأن نُخضع آراءنا لمعيار الأثر لا لمعيار التفاعل، وأن نسأل أنفسنا: ما الذي تغير بعد كل هذا الكلام؟ وما الذي يمكن أن يتغير لو تحول جزء منه إلى عمل منظم ومسؤول.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة