وقفت طويلاً أمام قرار دولة الإمارات الخاص باستكمال إنهاء وجود قواتها في اليمن الذي جاء في 30 ديسمبر 2025، القوات التي تم إبقاؤها بعد إعلان إنهاء مهامها في 2019 وذلك من أجل مكافحة الإرهاب والتطرف والذي تم بالتنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليمين المعنيين.
كما تذكرت في المقابل سرعة تلبية دولة الإمارات لنداء الأشقاء في اليمن عام 2015 لدعم الشرعية لاستقرار اليمن بعد أن سيطر تنظيم الحوثي المدعوم من إيران على العاصمة صنعاء وذلك ضمن قوات التحالف العربي.
وتساءلت كباحث، لماذا كل تلك السرعة لمتخذ القرار في دولة الإمارات سواء في المشاركة أو في إنهاء المهمة على عكس العديد من الدول التي تتردد في اتخاذ مثل هذه القرارات؟
الإجابة تكمن في هدف المشاركة وإنهائها، فالقراران الإماراتيان يصبان في خانة الحفاظ على الأمن والاستقرار لدولة اليمن الشقيقة التي لم تعرف هذا المفهوم منذ عام 1967 بسبب الفوضى والتخريب الممنهج نتيجة لعدم وجود سلطة تستثمر في مقدرات اليمن الطبيعية والبشرية. وكما جاءت المشاركة بطلب قيادة اليمن فإن الإنهاء تلبية لطلبهم هذه كل القصة.
وبالنسبة لي فإن القرارين الإماراتيين (المشاركة والإنهاء) يمكن وصفهما بالشجاعة السياسية؛ ليس لأن العالم تعود على تفاني دولة الإمارات في الوقوف بجانب الشقيق أو أي دولة أخرى إذا احتاجت إلى مساندة الإمارات ودعمها أثناء الأزمات والتحديات وهناك أمثلة كثيرة لمواقفها يمكن استعادتها بسهولة لكل من يرغب في الاعتراف بما تقدمه الإمارات ويريد أن ينصفها خاصة في أوقات الأزمات والشدائد التي تفرز الناس.
لم يدر في خلد أحدنا أن يتم التشكيك في نوايا دولة الإمارات على مستوى الحكومات وتخوين مواقفها؛ لأنها كانت تتلقى شهادات من يرسمون سياسات بلدانهم، ومن الذين يعرفون حقيقة مواقفها في أهمية وجود سلطة شرعية في البلد لأنها سبب رئيسي للاستقرار الوطني وللعيش الكريم لمواطنيها.
وفق ذلك، نعتقد أن دولة الإمارات كانت تستحق الوفاء والفخر بالإنجازات التي تُحققها لأنها جزء من منظومة العمل العربي والخليجي.
القصة أو السردية التي ينبغي أن تُروى بموضوعية عن دولة الإمارات في تطورات أحداث اليمن أنها دخلت بدعوة من السلطة المعترف بها دولياً آنذاك، وأنها لم تفرض نفسها أو تدخلت في شؤون اليمن وأنها قدمت تضحيات من دماء أبنائها. وأن تُذكر شهادات المراقبين العرب والدوليين السياسيين منهم والعسكريين بأن قواتها المسلحة أدت الواجبات التي كُلفت بها بكل صدق وأمانة بما تفرض عليها أخلاقياتها السياسية والإنسانية.
وعندما كلفت القوات الإماراتية في عام 2019 بمحاربة الإرهاب وملاحقة تنظيم القاعدة في الجنوب اليمني وهي مهمة يدرك الاستراتيجيون مدى خطورتها وصعوبتها حققت نجاحات بشهادة الجميع وبدأ الحديث عن استقرار اليمن. لا نقول هذا من باب التباهي والفخر وإنما من أجل التأكيد على أن التاريخ سيشهد لدولة الإمارات وقيادتها مواقفها كما شهد لها في مواقع كثيرة.
لم تكن الإمارات تنتظر التشكيك في نواياها السياسية في مهام تم دعوتها إليها علناً، كما لم تكن تتوقع التخوين في تحركاتها الدبلوماسية التي نقلت صورة العالم العربي وليس الخليجي فقط من مرحلة إلى مرحلة أخرى ورسمت لهم "خارطة النجاح العربي" وباتت حاضنة وطنية لكل عربي وأجنبي يبحث عن نجاح شخصي.
الإمارات دولة لم تعرف على مدى تاريخها إلا الوفاء للصديق وهو الأبعد فكيف يكون الأمر مع الشقيق والسند في المهمات والتحديات. كما أنها لم تعرف الصفقات التي تتم "تحت الطاولة" بل مواقفها ونواياها تعلنها صراحة للرأي العام؛ فعلى سبيل المثال هي من أعلنت عن علاقاتها مع دولة إسرائيل وهي من كبائر السياسة العربية، لكن ربما "نظرية المؤمراة" التي يتوهم بها البعض ويستخدمها عندما يريد الإساءة على كل عمل نزيه.
والإمارات هي من تجرأت على محاربة الإرهاب والتطرف الديني أمام مسمع وبصر العالم في وقت الكل كان يتردد ويحذر الآخر من رد فعل تلك التنظيمات المتغلغلة في مؤسسات العديد من الدول العربية والأجنبية حتى باتوا يرصدون تحركات الإمارات ويشهون تاريخها سواء باستضافتها أكبر ممثلين للدين الإسلامي والمسيحي عام 2019 غير ما فعلته بتنظيم الإخوان المسلمين الذي ظهر في جنوب اليمن بمجرد إنهاء مهمتها مؤخراً.
الصمت في زمن الفوضى الإعلامية هو الدليل على قوة الموقف، وعلى صحة النوايا، وعلى صدق العمل قد يتأخر التقييم الموضوعي لمواقف الإمارات مع الأشقاء والأصدقاء وهي عادة عربية اعتدنا عليها، ولكن التاريخ علمنا أن الإنصاف عادة يأتي متأخراً؛ لأننا أمة لا تتعلم من الدروس ولا تأخذ من العبر التي تمر عليها.
أبسط الأمثلة على إنصاف التاريخ لدولة الإمارات: نجاح تجربتنا الوحدوية وعلى ثقة العالم بما تقوم به في الحفاظ على الاستقرار والأمن الدوليين.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة