يقف السودان عند تقاطع خطر بين حرب مفتوحة، وانسداد سياسي، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بقيادة عسكرية تبدو وكأنها تراهن على الزمن بدل الحل، وعلى القوة بدل التوافق.
فبين صمت دولي متحفّظ، وضغوط تتصاعد بهدوء، يتحرّك الفريق عبد الفتاح البرهان في مسار يراه كثيرون أقرب إلى منطق المكابرة السياسية منه إلى حسابات الدولة، وكأنّ التجربة الفنزويلية، بما حملته من عزلة وصدام مع المجتمع الدولي، تحضر في الخلفية بوصفها تحذيرًا لا يُلتفت إليه.
منذ استحواذه على مقاليد السلطة، دخل البرهان في لعبة عالية المخاطر: إدارة حرب داخلية مدمّرة، ورفض متكرر لمسارات السلام، وتعامل متوتر مع المبادرات الدولية، وعلى رأسها جهود “الرباعية”. هذا النهج لم يفاقم فقط الانقسام الداخلي، بل وضع السودان في مواجهة غير مباشرة مع قوى كبرى لا تنظر إلى الصراعات الإقليمية باعتبارها شأنًا محليًا معزولًا، بل عقدة ضمن أمن دولي أوسع.
الخطأ الاستراتيجي الأكبر، بحسب مراقبين، لا يكمن فقط في استمرار الحرب، بل في الاستخفاف بالكلفة السياسية لرفض السلام، فالتجربة الدولية الحديثة تُظهر أن القادة الذين يُغلقون كل أبواب التسوية، ويُراكمون الأزمات، يتحوّلون من (شركاء صعبين) إلى (مشكلات يجب حسمها)، هنا يبرز شبح المقارنة مع حالات أخرى في العالم، حيث لم يكن الإصرار على السلطة كافيًا لحمايتها.
في الداخل، تتعقّد الصورة أكثر، فالحكم في بورتسودان يبدو محاصرًا بتناقضاته، اقتصاد منهك، إدارة أمنية مرتبكة، وبيئة سياسية ملغّمة بالتحالفات المؤقتة، وفي هذا المشهد، تعود جماعة الإخوان المسلمين للظهور كفاعل خفي، لا في الواجهة، بل في الهوامش المؤثرة. دور مزدوج، خطاب ملتبس، وتحركات لا تُعلن صراحة، لكنها تُقرأ في مسار الأحداث، تحالفات ظرفية مع السلطة من جهة، واستعداد دائم لتبديل المواقع من جهة أخرى، ما يجعلهم عامل عدم استقرار أكثر من كونهم سندًا حقيقيًا.
هذا التداخل بين السلطة العسكرية، وبقايا النظام القديم، وشبكات الإسلام السياسي، يُضعف أي ادّعاء بالسيطرة الكاملة، ويحوّل الحكم إلى توازن هشّ، كجرف هاو قابل للسقوط عند أول ضغط خارجي حاسم. فالقوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لا تتعامل اليوم بمنطق البيانات وحدها، فالتجارب الأخيرة في أكثر من ساحة أظهرت أن الصبر الدبلوماسي له حدود، وأن من يرفض التسويات الكبرى قد يجد نفسه فجأة خارج اللعبة، لا بسبب انقلاب داخلي، أو بفعل عزلة خانقة فحسب، بل بإجراءات متراكمة، وتنفيذ قرارات نوعية، والعبرة بما حدث لنيكولاس مادورو.
في هذا السياق، تكتسب تصريحات البرهان المتشنجة تجاه الوسطاء الدوليين دلالة خطيرة، فاللغة التي تُستخدم في لحظات الغضب السياسي قد تُقرأ في الخارج كإعلان قطيعة، لا كمناورة تفاوض، ومع كل خطاب تصعيدي، تتقلّص المساحة الرمادية، ويتحوّل الخلاف من اختلاف مصالح إلى مواجهة إرادات.
فالسودان اليوم ليس فقط ساحة حرب، بل ساحة اختبار، هل تستطيع قيادة عسكرية أن تحكم بلدًا متعدد الأزمات بلا أفق سياسي؟ وهل يمكن تجاهل المزاج الدولي الذي بات يربط بين الشرعية والاستعداد لفرض السلام بالقوة؟ ثم السؤال الأخطر، من يحمي سلطة بورتسودان حين تتحول من جزء من الحل إلى جزء من المشكلة؟
بين بورتسودان، وبين العواصم الإقليمية وواشنطن، تتسارع الحسابات، الإخوان (المسلمين) يترقّبون، القوى المدنية تُنهك، والشارع يدفع الثمن، أما البرهان، فيبدو وكأنه يمشي على حافة ضيقة، خطوة أخرى في الاتجاه الخاطئ قد لا تعني مجرد ضغط سياسي، بل تحوّلًا نوعيًا في طريقة التعاطي معه شخصيا دوليًا.
في عالم اليوم، لا تُسقط الأنظمة فقط بالدبابات، بل بالعزلة، والملفات المفتوحة، وفقدان الغطاء، والسلام لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل شرط بقاء سياسي يفرض بالقوة حسب مبدأ الرئيس ترامب، والسؤال الذي يظل معلقًا فوق المشهد السوداني، هل يلتقط البرهان هذه الإشارة قبل فوات الأوان، أم يواصل السير حتى لحظة الاصطدام؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة