تأخرت يومًا عن حضور محاضرة في الدراسات العليا، وحين استأذنت للدخول، أوقفني المحاضر بسؤال بدا غريبًا في البداية: أين يجلس الدب في الغابة؟
أجبت: "يجلس حيثما يشاء؛ فالقوة في الغابة تفرض مكانها ونفسها ولا تستأذن أحدًا". ابتسم وقال: هكذا هي الدول العظمى؛ تطبّق القانون الدولي على الدول، وتتجاوزه حين تقتضي مصالحها الأمنية. وأضاف: العالم ليس غابة، لكنه يحتاج إلى قوى غابية لتطبيق القانون الدولي.
رددت عليه بمثال من الألعاب الإلكترونية: ربما تعكس لعبة “مقاتل الشارع” (Street Fighter) فكرة موازين القوة، حيث أبطالها ينتمون لدول كبرى، وعظمى، وقوية. وقد أعجبه المثال. هذه المقدمة ربما تفسر ما قامت به الولايات المتحدة في عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي، متجاوزة قواعد القانون الدولي ومبدأ السيادة.
بين القوة الغابية والقانون الدولي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل النظام الدولي من معاهدات واتفاقيات تنظّم العلاقات بين الدول، وتقنن مفاهيم السيادة والأمن القومي. وقدمت الولايات المتحدة نفسها كحارس لهذا النظام، ليس بالقانون وحده، بل بالقوة التي تحميه وتفرضه.
دعمت واشنطن حركات التحرر لتغيير موازين القوى بين الإمبراطوريات الأوروبية التقليدية والقوى الصاعدة، وروّجت لفكرة الأمن والسلم الدوليين، المستلهمة من أفكار هوبز ولوك وروسو، وأطروحات ديفيد ميتراني حول إمكانية تحويل الصراع إلى تعاون، حتى لو لم تتساوَ المكاسب.
وهكذا، لم يكن القانون الدولي قائمًا بذاته، بل مسنودًا بقوة كبرى قادرة على فرضه أو تجاوزه. تمتلك الدول العظمى شرعية قانونية عبر المؤسسات الدولية، وشرعية واقعية مستمدة من قوتها الفعلية، ما يسمح لها بتجاوز القانون متى رأت أن ذلك يخدم الاستقرار العالمي كما تفهمه.
استقرار العالم وحدود العدالة
هذا التوازن بين القوة والقانون أنتج عالمًا أقل حروبًا وأكثر تعاونًا، لكنه لم يكن عالمًا عادلًا بالضرورة. القوة الغابية لا تُواجَه بالقانون وحده، ومن يطالب بتطبيق القانون على الجميع دون مراعاة موازين القوة، يغامر بدخول العالم في صراعات مستمرة.
يعيش العالم بين حدين: قوة قانونية بلا أنياب، وقوة غابية بلا ضوابط. وبين هذين الحدين يستمر النظام الدولي حيًّا، لا مثاليًا.
فنزويلا في العلاقات الدولية
واشنطن وكاراكاس: صراع الجغرافيا والأيديولوجيا
تجسّد العلاقة بين الولايات المتحدة وفنزويلا صراعًا مركبًا بين الجغرافيا المتجاورة والأيديولوجيا المتصادمة؛ بين قوة عظمى رأسمالية ترى أمريكا اللاتينية مجالًا حيويًا لنفوذها، ودولة نفطية يسارية سعت إلى كسر هذه الهيمنة باسم العدالة الاجتماعية.
تصاعد الخلاف مع سياسات هوغو تشافيز، خاصة تأميم النفط وتقليص نفوذ الشركات الأمريكية، ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات اقتصادية ودعم مسارات لتغيير النظام. وفي المقابل، ترى فنزويلا أن ذلك استهداف لسيادتها ومحاولة للسيطرة على مواردها، معتمدًة على تحالفات مع إيران والصين وروسيا وكوبا لتعزيز موقعها الدولي والاقتصادي.
هشاشة الاقتصاد النفطي وأزمات مادورو
رغم امتلاك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فشل التنويع الاقتصادي، وبقيت البلاد رهينة النفط، ما جعلها عرضة للعقوبات وتراجع الأسعار. في عهد نيكولاس مادورو، تعمّقت الأزمات الاقتصادية والإنسانية، واتسعت الهجرة، وزادت الدولة اعتمادًا على تحالفاتها الخارجية ومسارات الالتفاف على العقوبات.
وتتوسع دائرة المصالح النفطية الأمريكية في محيط فنزويلا لتشمل جارتها جمهورية غويانا (Guyana)، التي تشهد ثروة نفطية متنامية، وكذلك جمهورية سورينام المجاورة لغويانا التي تزخر باحتياطات نفطية مرشحة للزيادة مستقبلاً. وهكذا يتخذ الصراع بُعدًا نفطيًا يختلط بالأيديولوجيا والأمن والشرعية السياسية. فجوهر الخلاف بين واشنطن وكاراكاس، الممتد من عهد تشافيز حتى مادورو، تحوّل من اختلاف أيديولوجي إلى صراع على السلطة والموارد والحدود.
ففي منظومة الصراع بين كاراكاس وواشنطن، نجد ملفات عديدة مثل غسيل الأموال والمخدرات، حيث تتهم الولايات المتحدة مسؤولين كبارًا في الحكومة والجيش الفنزويلي بتكوين ما يسمى "كارتل الشمس"، الذي يسهل مرور الكوكايين من كولومبيا عبر الأراضي الفنزويلية، بينما تنفي كاراكاس هذه الاتهامات.
وبالنسبة لواشنطن، فإن هذا الملف يعزز روايتها بأن النظام يشكل تهديدًا أمنياً عابراً للحدود. ومن الأهمية بمكان ذكر بأن إسقاط نظام مادورو المتهالك اقتصاديًا والعاجز عن تقديم مشروع نهضوي لبلاد غنية بالموارد، ربما يشجع واشنطن على بسط نفوذها على جزيرة غرينلاند، المتمتعة بحكم ذاتي تحت الدنمارك والغنية بالموارد الطبيعية مع أهمية موقعها، وذلك لدواعي أمنية ومطالبة الحكم الذاتي بالانضمام إليها.
مع استياء العالم من دول وبرلمان وأحزاب وخبراء القانون والسياسة وشعوب من تجاوز واشنطن على سيادة فنزويلا واختطاف الرئيس وزوجته في عملية عسكرية أشبه بفيلم من هوليوود، يبقى السؤال معلقًا: هل يمكن لعالم تحكمه القوة أن يكون عادلًا؟ أم أن العدالة ليست سوى سردية مؤجلة تُكتب بحبر جديد وتُمحى مع أول اختبار للقوة والأمن للدول العظمى والكبرى؟
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة