د. أسامة أحمد المصطفى
كاتب سوداني
كاتب سوداني
في السياسة قد تختلف الروايات، وقد تتبدل المواقف، لكن أن تتصادم الرواية الرسمية مع نفسها إلى حد السخرية، فذلك يفتح الباب أمام سؤال أكبر من السياسة نفسها: هل ما يُدار هو دولة بمؤسسات، أم مسرح تتغير فيه النصوص بينما يظل الجمهور مطالبًا بالتصفيق؟
تمثل الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية ضد المدنيين واحدة من أخطر القضايا التي يمكن أن تواجه أي حكومة أو مؤسسة عسكرية، كما هو الحال مع ما تواجهه حكومة بورتسودان من اتهامات أُثيرت مؤخرًا.
ليست الفاجعة في الحروب أنها تستنزف الأرواح وتُخرِّب العمران فحسب، وإنما في إصابة الوعي الجمعي في مقتله، فتختلط الحقائق بالأوهام، وتُطمس الوقائع تحت ركام الدعاية، ويغدو الخطاب السياسي بديلاً عن الحقيقة، حتى يصبح تكرار الرواية أداةً لإضفاء الشرعية عليها.
في مسيرة الأمم لحظات نادرة تتجاوز حدود الحدث العابر لتغدو علامات فاصلة بين زمنين، زمن يوشك على الأفول بما يحمله من أثقال الإخفاقات والتناقضات، وزمن يتشكل في رحم التحولات الكبرى حاملاً بذور واقع جديد.
لم يعد ممكنًا الفصل بين صمت القيادة وخطورة المسار الذي تنزلق إليه البلاد، في لحظة فارقة من تاريخ السودان.
لم يكن قرار الولايات المتحدة، الذي أعلنه وزير الخارجية ماركو روبيو في 9 مارس/آذار 2026، بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كيانًا إرهابيًا عالميًا ذا تصنيف خاص، مجرد خطوة قانونية أو إجراء دبلوماسي عابر.
ترتكب حكومة بورتسودان خطأً دبلوماسياً فادحاً يدفع السودان نحو عزلة غير مسبوقة، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
يقف السودان عند تقاطع خطر بين حرب مفتوحة، وانسداد سياسي، في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، بقيادة عسكرية تبدو وكأنها تراهن على الزمن بدل الحل، وعلى القوة بدل التوافق.