في مسيرة الأمم لحظات نادرة تتجاوز حدود الحدث العابر لتغدو علامات فاصلة بين زمنين، زمن يوشك على الأفول بما يحمله من أثقال الإخفاقات والتناقضات، وزمن يتشكل في رحم التحولات الكبرى حاملاً بذور واقع جديد.
ومن هذا القبيل جاء اللقاء الذي جمع وفد المجلس التأسيسي لحكومة السلام والوحدة مع الآلية الخماسية الدولية في أديس أبابا، ذلك اللقاء الذي لم يكن مجرد محطة بروتوكولية في سجل الاجتماعات السياسية، بل بدا أقرب إلى إعلان ضمني بأن السودان قد دخل بالفعل طوراً جديداً من أطوار تشكله التاريخي. ولعل أكثر ما منح هذا المشهد دلالته الرمزية العميقة هو تزامنه مع قرع أجراس امتحانات الشهادة السودانية في مدينة نيالا، وعودة العملية التعليمية إلى مناطق واسعة تقع تحت إدارة وسلطة حكومة التأسيس.
فبينما كانت الوفود تناقش مستقبل الدولة السودانية على موائد السياسة في أديس أبابا، كانت قاعات الامتحانات في دارفور تستعيد نبض الحياة، ويعود التلاميذ إلى مقاعد الدراسة في مشهد يتجاوز رمزيته التربوية ليحمل معنى سياسياً وحضارياً بالغ الأهمية، إذ لا شيء يختصر فكرة الدولة أكثر من قدرتها على إعادة التعليم إلى الحياة وسط ركام الحرب. لقد بدا المشهد وكأن السياسة والمجتمع يسيران في اتجاه واحد؛ فهنا اعتراف متزايد بواقع سياسي جديد يتشكل على الأرض، وهناك مؤسسات مدنية تستعيد وظائفها الأساسية، بما يرسل رسالة واضحة مفادها أن مشروع التأسيس لم يعد مجرد خطاب سياسي أو تصور نظري، بل أصبح واقعاً يسعى إلى إنتاج أدواته ومؤسساته وتجسيد حضوره في حياة الناس اليومية.
إن القيمة الحقيقية لاجتماع أديس أبابا لا تكمن في البيانات أو التصريحات التي أعقبته، بل في التحول العميق الذي يعكسه في طبيعة النظر إلى الأزمة السودانية. فقد انتقل النقاش من دائرة الإنكار إلى فضاء الاعتراف، ومن سؤال الإقصاء إلى سؤال الشراكة، ومن محاولة تجاوز الفاعلين الحقيقيين إلى البحث عن آليات استيعابهم ضمن معادلة سياسية جديدة. وهو تحول لا يعبّر فقط عن تبدل في المواقف، بل عن إدراك متنامٍ بأن الوقائع الكبرى لا يمكن شطبها بالبيانات ولا تجاوزها بالرغبات.
لقد فرضت سنوات الحرب حقائق جديدة أعادت رسم الخريطة السياسية والاجتماعية للسودان، وأصبح من المتعذر العودة إلى المعادلات القديمة التي حكمت البلاد لعقود طويلة. فالدولة التي تشكلت على أسس المركزية المفرطة والاحتكار السياسي والإقصاء الثقافي بلغت حدود قدرتها التاريخية، فيما تتصاعد المطالب بإعادة صياغة العقد الوطني على أسس أكثر عدالة وتوازناً وشمولاً. ومن هنا يبرز مشروع "السودان الجديد" بوصفه تعبيراً عن تطلع واسع نحو تجاوز إرث الأزمات المزمنة. وليس المقصود بالسودان الجديد مجرد انتقال للسلطة من نخبة إلى أخرى، أو استبدال مركز نفوذ بمركز نفوذ آخر، بل إعادة بناء مفهوم الدولة ذاته؛ دولة تستند إلى المواطنة المتساوية، وتحتفي بالتنوع، وتؤسس للعدالة في توزيع السلطة والثروة، وتمنح الأقاليم المختلفة حقها في المشاركة الفاعلة في صناعة القرار الوطني.
وفي الجهة المقابلة، تتزايد المراجعات النقدية للتجربة التي قادتها الحركة الإسلامية خلال العقود الماضية، حيث ينظر قطاع واسع من السودانيين إلى تلك المرحلة باعتبارها إحدى المحطات التي أسهمت في تعميق الانقسامات الوطنية وإضعاف المؤسسات وإنتاج أزمات ما تزال البلاد تدفع أثمانها الباهظة. ولذلك لم يعد الصراع الراهن، في جوهره العميق، مجرد تنافس على السلطة، بل أصبح مواجهة بين رؤيتين للدولة: رؤية تستبطن استعادة الماضي بكل تناقضاته، ورؤية تتطلع إلى بناء مستقبل مختلف يتجاوز إخفاقات التاريخ. وإذا كانت السياسة كثيراً ما تقاس بما يقال في القاعات المغلقة، فإن التاريخ يقاس بما يحدث على الأرض. ومن هذه الزاوية يكتسب تزامن اجتماع أديس أبابا مع انعقاد امتحانات الشهادة السودانية في نيالا دلالة استثنائية؛ فالأمم لا تنهض بالخطب وحدها، بل بالمدارس والجامعات والمؤسسات المدنية. وحين يعود التعليم إلى الحياة وسط أجواء الحرب، فإن ذلك يعني أن إرادة البناء بدأت تتقدم على منطق الهدم، وأن المستقبل أخذ يرسل إشاراته الأولى.
أما نيالا، وهي تستقبل أبناءها في قاعات الامتحانات، فقدمت الدليل العملي على أن السودان الجديد لا يولد في المؤتمرات وحدها، بل يولد أيضاً في المدارس والجامعات ومؤسسات الحياة اليومية. إنها لحظة تتجاوز حدود السياسة إلى فضاء التاريخ. لحظة يكتب فيها السودانيون فصلاً جديداً من سيرتهم الوطنية، ويشرعون في تشييد معمار دولة يسعون لأن تكون أكثر عدلاً واتساعاً وسلاماً. وعند هذه النقطة تحديداً، لم يعد السؤال ما إذا كان التغيير قادماً، بل كيف سيكون شكل السودان الجديد الذي يخرج من رحم هذه التحولات الكبرى ؟ ربما الإجابة ، ستكون أن أبناؤه سيصوغون ملامح وطن جديد يستحقونه بعد عقود طويلة من الصراع والانتظار.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة