في السياسة الدولية، هناك مدرستان رئيسيتان خرجتا من نظريتين رئيسيتين لا ثالث لهما، المدرسة الواقعية والمدرسة الليبرالية.
المدرسة الواقعية في السياسة الدولية تنطلق من فكرة بسيطة: أن العالم تحكمه المصالح والقوة، وأن على الدول أن تؤمن أمنها وتحمي مصالحها الوطنية قبل أي اعتبار آخر.
أما المدرسة الليبرالية فترى أن التعاون والاقتصاد والشراكات والمؤسسات الدولية قادرة على تحقيق الاستقرار والازدهار بصورة أكثر استدامة من الصراع والمواجهة، حيث سنعود لهذه المقدمة لاحقاً.
ومن نافلة القول الإقرار بأنه من حق كل دولة أن تحمي مصالحها القومية ومكتسباتها الوطنية، بل هذا هو دورها الأول، فالدول لا تُقام لتكون محايدة تجاه أمنها، ولا لتساوم على استقرارها، ولا لتترك مصيرها للظروف العابرة المتغيرة، وهنا نحن لسنا بصدد إعادة تعريف ذلك، وإنما للتذكير به.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ليس هل تحمي الدولة مصالحها أم لا؟ بل: كيف تفعل ذلك.. ولصالح من؟ ومن يدفع الثمن؟
التجارب حول العالم تقدم إجابتين متناقضتين. هناك دول حمت مصالحها على حساب شعوبها، فدفعت الثمن داخليًا احتقانًا، وفقدان ثقة، وانقسامًا، وهناك دول نجحت في المعادلة الأصعب: حماية المصالح… مع الحفاظ على ثقة الناس، ويظهر الفرق بين الحالتين، في المصداقية وليس في القوة.
ثقة الشعوب لا يمكن فرضها بالقوة، ولا تُبنى بخطاب بليغ، بل هي نتيجة تراكم طويل من المواقف والظروف والتحولات، حين يرى الشعب قيادته تدافع عن مصالح الوطن، لكن دون أن تُحمّل المجتمع كلفة غير مبررة، وحين تتحدث النتائج عن نفسها من على أرض الواقع، وليس في الشعارات عبر الشاشات، عندها فقط تتحول الثقة إلى رصيد كبير وثمين.
في هذا السياق، تبرز تجربة دولة الإمارات كنموذج واضح، لم تبنِ علاقتها مع شعبها على وعود فارغة، بل على نتائج واضحة ومثبتة، في السلم اختارت طريق التنمية والاستقرار، فحوّلت الاقتصاد إلى مساحة فرص وازدهار، وجعلت من التنوع مصدر قوة لا خلاف، والأمان معياراً ذهبياً وأسلوب حياة، لا استثناء مؤقتاً، أو ظرفاً عابراً.
ولهذا لم تنظر الدولة إلى القوة الناعمة والقوة الصلبة باعتبارهما خيارين صفريين متنافسين، بل باعتبارهما جزءًا من منظومة واحدة. فمن يبني اقتصادًا قويًا يحتاج إلى حماية إنجازاته، ومن يمتلك قوة دفاعية مؤثرة يحتاج إلى بيئة مستقرة ومزدهرة تعطي هذه القوة معناها الحقيقي.
فهي تدرك أن المصالح تُحمى بالقوة عندما يكون ذلك ضروريًا، لكنها تؤمن أيضًا أن أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق بالتعاون والتنمية وبناء المصالح المشتركة.
وعند الأزمات، لم تختبر الدولة أدواتها لأول مرة، بل استخدمت ما راكمت من معارف وقدرات ومهارات، وفي لحظات التوتر الإقليمي، أثبتت الإمارات أن حماية المصالح لا تعني الاندفاع، ولا تعني التردد، بل تعني التوازن.
توازن بين الحزم حين يتطلب الموقف، والحكمة حين تفتح الفرص. وهنا يظهر مفهوم تبنّته الإمارات مبكراً يمكننا تسميته (القوة الذكية).
القوة الذكية ليست شعارًا، بل طريقة إدارة، هي الجمع بين القوة الناعمة (الدبلوماسية، الاقتصاد، التأثير الثقافي)، والقوة الصلبة (القدرة الدفاعية، الجاهزية، الردع).
ليست مفاضلة بين الخيارين، بل استخدامهما معًا… حسب الحاجة. وهذا ما منح الإمارات قدرة على التحرك بمرونة وفاعلية: تبني شراكات حين يفيد التعاون، وتحمي مصالحها بحزم حين يتطلب الأمر.
هذه المعادلة لا تنجح إلا بشرط واحد: الثقة، الثقة بأن القرارات تُتخذ لمصلحة الوطن، وليس على حسابه.
وهذا ما يفسر حالة التماسك التي تظهر في كل اختبار: لأن الناس لا يرون أنفسهم خارج المعادلة، بل جزءًا منها.
ونعود هنا لمقدمة المقال مرة أخرى، حيث تبرز التجربة الإماراتية على أنها لم تنتمِ بالكامل إلى مدرسة سياسية واحدة في إدارة علاقاتها الدولية، فما بين المدرستين الواقعية والليبرالية صنعت الإمارات نموذجها الخاص بينهما.
كثير من الدول اختارت أحد الطريقين، لكن الإمارات بدت وكأنها اختارت الجمع بينهما في تناغم كامل وانسجام نادر، ففي الجوهر، تبنت الدولة منطق الواقعية السياسية بكل وضوح استراتيجي، إذ وضعت أمنها الوطني ومصالحها الاستراتيجية في مقدمة أولوياتها، وأدركت مبكرًا أن الاستقرار لا يُترك للنوايا الحسنة وحدها، وأن حماية المكتسبات الوطنية تتطلب جاهزية وقدرة وردعًا حين تستدعي الظروف ذلك، وأخذ جميع الأسباب التي تحقق ذلك.
لكنها في الوقت نفسه لم تجعل القوة غاية بحد ذاتها، بل استخدمت أدوات أقرب إلى المدرسة الليبرالية؛ فاستثمرت في بناء الشراكات الاقتصادية، ومدت جسور التعاون مع مختلف دول العالم، ورسخت مكانتها كمركز عالمي للتجارة والاستثمار والابتكار، وراهنت على الحوار والانفتاح والتكامل باعتبارها أدوات لتعظيم المصالح الوطنية.
وبصيغة أخرى، كانت الإمارات واقعية في أهدافها، وليبرالية في أدواتها.
يقول ونستون تشرشل: "الشجاعة هي ما تحتاجه لتقف وتتحدث، وهي أيضًا ما تحتاجه لتجلس وتستمع".
وهنا تحديدًا تتمايز الدول، الإمارات قدّمت نموذجًا يقول ببساطة: يمكن للدولة أن تكون قوية، دون أن تكون قاسية، وحازمة دون أن تكون متهورة، وقادرة على حماية مصالحها دون أن تفقد ثقة شعبها.
وهذه، في عالم مضطرب، هي القوة الحقيقية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة