تكشف الأزمات الكبرى كثيرا من الحقائق التي تؤجلها الظروف المستقرة إلى حين، فهي تعيد ترتيب الأولويات، وتختبر التحالفات، وتدفع الدول إلى مراجعة حساباتها.
كما تكشف جانبا آخر غالبا ما يبقى بعيدا عن الاهتمام، وهو طبيعة الأدوار السياسية ومدى انسجامها مع الواقع الذي تفرضه الأحداث.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح وضوح الدور جزءا من وضوح الموقف، وتتحول القدرة على تحديد الأولويات إلى عنصر أساسي في حماية المصالح الوطنية والإقليمية.
وقد كشفت التطورات الأخيرة في المنطقة جانبا مهما من هذه المعادلة، يتمثل في ظاهرة اختلاط الأدوار، فمع تصاعد التهديدات واتساع نطاق تأثيرها، ظهرت حالات بات فيها من الصعب التمييز بين موقع المتضرر وموقع الوسيط، وبين من يواجه الخطر بصورة مباشرة ومن يتعامل معه باعتباره ملفا يراهن على إمكانية احتوائه دون أن تمتد تداعياته إليه.
وفي الظروف الاعتيادية، تمثل الوساطة دورا مهمًا في العلاقات الدولية وتسهم في تقريب وجهات النظر واحتواء الأزمات، غير أن بعض اللحظات المفصلية تفرض واقعا مختلفا تماما، حيث تصبح الأولوية لفهم طبيعة التهديد وحدود تأثيره وانعكاساته على الأمن والاستقرار. وعندما يتداخل دور الوسيط مع موقع المتضرر، أو تتراجع الأولويات الوطنية خلف الحسابات المؤقتة، تبدأ مساحة الالتباس بالاتساع وتصبح القرارات أكثر تعقيدا.
ولعل أخطر ما تفرزه هذه الحالة أنها تؤدي إلى ارتباك في قراءة المشهد نفسه، فالدول التي تتعرض لتهديدات مشتركة يفترض أن تمتلك قدرا متقاربا من إدراك المخاطر، وأن تنطلق من فهم واضح لطبيعة التحديات التي تواجهها، أما حين تتباين تعريفات الخطر وتختلف الأولويات بصورة كبيرة، فإن ذلك ينعكس تلقائيا على المواقف والتحركات والمسارات السياسية.
وربما كان أحد أبرز ما كشفته هذه المرحلة أن الجدل لم يكن دائما حول المواجهة نفسها، بقدر ما كان حول مفهوم زوال التهديد، فوقف المواجهات العسكرية يمثل محطة مهمة في مسار أي أزمة، لكنه لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأهم: ماذا عن الأسباب التي أنتجت هذه المواجهة؟ وماذا عن الأدوات القادرة على إعادة إنتاجها مستقبلا؟
ففي كثير من الأحيان، ينصرف الاهتمام إلى إنهاء الحدث القائم، بينما تبقى مصادر الخطر على حالها، وهنا يظهر الفارق بين التعامل مع تداعيات الأزمة والتعامل مع جذورها، وبين السعي إلى احتواء التصعيد ومعالجة العوامل التي تمنحه القدرة على العودة من جديد، ومن هذه الزاوية تحديدا تتشكل الفوارق الكبرى في السياسات والقرارات، لأن تعريف التهديد يحدد إلى حد كبير طريقة التعامل معه وحدود اعتباره منتهيا أو مستمرا.
ولهذا، فإن الخلافات التي تظهر خلال الأزمات لا ترتبط دائما بالمواقف المعلنة أو التحالفات القائمة، وإنما تبدأ أحيانا من نقطة أعمق تتعلق بفهم طبيعة الخطر نفسه، فحين يختلف تعريف التهديد، تختلف معه الأولويات، وتتباين الاستجابات، وتتخذ السياسات مسارات متباعدة حتى في ظل مواجهة التحديات ذاتها.
ومن هنا تأتي أهمية الوضوح السياسي بوصفه أحد عناصر القوة الاستراتيجية، فالوضوح ينعكس على تعريف الأولويات وطبيعة الشراكات وآلية التعامل مع الأزمات، كما يمنح الدول قدرة أكبر على اتخاذ القرارات في الوقت المناسب، ويعزز مصداقيتها لدى شركائها، ويحد من فرص الالتباس في تفسير مواقفها.
وقد أثبتت تجارب المنطقة أن الأزمات الكبرى لا تترك مساحة واسعة للمناورات طويلة الأمد، لأن الأحداث المتسارعة تدفع الجميع إلى الكشف عن تموضعهم الحقيقي في نهاية المطاف. وعند هذه النقطة تحديدا، تصبح كلفة الالتباس أعلى من كلفة الوضوح، وتتحول محاولة الجمع بين أدوار متعارضة إلى عبء سياسي تتزايد كلفته كلما اشتدّت الأزمات.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب مهم من التجربة الإماراتية خلال السنوات الماضية، فالرؤية الإماراتية انطلقت باستمرار من أهمية التعامل مع مصادر التهديد وأسبابه العميقة، وهو ما انعكس على مواقفها تجاه قضايا التطرف والفوضى والمشاريع العابرة للدولة الوطنية، وقد أسهم هذا النهج في ترسيخ قدر كبير من الاتساق بين تعريف التهديد وآليات التعامل معه، ومنح الإمارات قدرة أكبر على الحفاظ على وضوح أولوياتها وسط بيئة إقليمية متقلبة.
وربما كان أهم ما كشفت عنه هذه المرحلة في الخليج أن الفارق بين المواقف يرتبط في كثير من الأحيان بطريقة قراءة التهديدات وفهمها، فحين يختلف تعريف الخطر، تختلف معه الأولويات والاستجابات والقرارات، وعند هذه النقطة تبدأ مسارات الدول بالتباعد، رغم أنها تواجه التحديات ذاتها.
فالأزمات تمضي، وتتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، لكن الحقائق الكبرى تبقى ثابتة. فالتهديدات التي تستهدف الاستقرار لا تسأل أصحابها عن موقعهم على الخريطة السياسية، ولا تمنح استثناءات لمن اختار الوقوف في المنطقة الرمادية.
ولهذا، يصبح وضوح الرؤية وتحديد الأولويات بدقة من أهم أدوات حماية المصالح الوطنية، لأن الخطر يدرك أهدافه جيدا، حتى لو اختلف الآخرون في تعريفه.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة