يحتاج المرء إلى رصد مسار قائد الجيش السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان، ليدرك أن الأزمة الراهنة في السودان ليست مجرد نزاع عسكري، بل هي انعكاس لبنية سياسية تقوم على المناورة والمراوغة وإنكار الحقائق.
ولعل الحرج البالغ الذي أحدثه التضارب الأخير بين تصريحات البرهان لموقع "ميدل إيست آي" والنفي الرسمي اللاحق من ما يسمى بمجلس السيادة بشأن طلبه الوساطة البحرينية مع دولة الإمارات، يقدم تشريحاً دقيقاً لشخصية سياسية حربائية أدمنت اللعب بالبيضة والحجر، ولا يتردد في تبديل جلده وتبديل مواقفه تبعاً للرياح!
إن الرواية التي ساقها الموقع الإخباري، بعيداً عن أي خلاف جذري مع خطه التحريري أو خلافه، تكتسب صدقيتها من اتساقها التام مع السلوك الحربائي الذي طبع مسيرة البرهان منذ انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر.
فالرجل الذي عاشره المقربون منه وخبروا جيداً قدرته الفائقة على تلوين الحقائق والمراوغة، يجد نفسه اليوم محاصراً بين طموحه الشخصي في تثبيت انقلابه وسلطته كأمر واقع، وبين استحقاقات تحالفاته المأزومة في الداخل والخارج.
تتجلى الحقيقة العارية لزيارة المنامة في أن البرهان هو من طرق أبوابها مستجدياً وساطة تعيد وصل ما انقطع مع أبوظبي، دون قيد أو شرط. لكن العقلية التي قادت انقلاب أكتوبر لا تجيد العيش إلا في مساحات التناقض؛ فحين حاول البرهان تسويق نفسه إعلامياً كطرف يملي الشروط تارة، ويسعى للتنصل من خطابه التصعيدي تارة أخرى لحفظ شعرة معاوية، وجد نفسه في مأزق أخلاقي وسياسي مع الدولة المضيفة.
هذا السلوك ليس غريباً على قائد عسكري وظّف الدعاية الإعلامية المحملة بالأكاذيب ضد أطراف إقليمية كأداة ضغط لتحسين شروطه التفاوضية، وليس كموقف مبدئي.
بيد أن الخديعة الكبرى، والمهدد الحقيقي لمستقبل السودان، تكمن في التحالف العضوي بين البرهان ونظام الحركة الإسلامية البائد (الإخوان). فالبرهان، في محاولته البائسة واليائسة للاحتفاظ بالسلطة، تحول إلى واجهة عسكرية لإعادة إنتاج النظام القديم الذي ثار ضده الشعب في ديسمبر.
وفي مفارقة مأساوية، يمارس الرجل ذات اللعبة الحربائية مع حلفائه الإقليميين والدوليين؛ إذ يبذل لهم وعوداً وراء الكواليس بأنه سيتخلص من نفوذ الإسلاميين تلبية للمخاوف الدولية - لاسيما بعد التصنيفات الأمريكية الأخيرة - بينما يقوم على أرض الواقع بتمكينهم وتسليمهم مفاصل الدولة والقرار العسكري.
لقد تحولت استراتيجية الرقص على رؤوس الأفاعي التي يتقنها البرهان من أداة للمناورة إلى عبء استراتيجي ثقيل على السودان بل حتى على داعميه الخارجيين أيضاً.
إن الانخفاض الحاد في منسوب الثقة الدولية في شخص البرهان يعود إلى هذا النمط المتكرر من إرسال الرسائل المتناقضة ونسج التحالفات المتعارضة.
إن السودان اليوم يدفع ثمن ارتهان قراره الوطني لطموحات فردية ونخبة إسلاموية راديكالية تستخدم لغة الحرب لإعادة صياغة المشهد. وما حادثة النفي والتكذيب الأخيرة إلا عَرَض لمرض عضال؛ فالقائد الذي لا يتورع عن التبرؤ من كلماته، والالتفاف على وعوده، لا يمكنه بناء سلام أو قيادة جيش أو دولة.
لقد شارف زمن اللعب بالبيضة والحجر على النهاية، ولن يصح في ختام هذه المأساة إلا الصحيح: ذهاب الانقلاب، وكنس كل تيارات الإسلام السياسي، وعلى رأسهم (الإخوان) الذين يسيطرون على قيادة الجيش، ومحاسبة جنرالات الخديعة، واستعادة حكم الشعب بإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة