قبل أيام نشر الكاتب والباحث الروسي ألكسندر سفارانتس، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، مقالا تحليليا يتحدث فيها عن تراجع أمريكي أعطى فرصة لإيران بالتمسك بشروطها، حيث ركز على مفهوم "توازنات القوى الصلبة" والبراغماتية الإقليمية.
وهذا يعكس المنظور الروسي الإيراني الذي يرى أن الميدان فرض كلمته على الطاولة السياسية، وتجاهل الكاتب الروسي أن أي اتفاق مستدام يجب ألا يكون مختصرا على الملف الفني النووي، بل يجب أن يضمن بشكل حاسم وقف التدخلات الإقليمية، ودعم المليشيات، وتهديد أمن الخليج والمنطقة.
الوجود العسكري الأمريكي يمكن أن يكون الأكبر في المنطقة العربية والخليجية بالتحديد، بعد حرب العراق، لكن هذه المرة بشكل مختلف وأكثر قوة وبأسلحة جديدة يتم تجربتها لأول مرة، وحتى هذه اللحظة لا توجد مؤشرات لخسارة أمريكية واضحة ودقيقة، مع تجنب كامل للدول الخليجية أن يكون لها دور أو استخدام أراضيها في هذه الحرب على إيران، لكنها لها الحق الكامل في الدفاع عن أراضيها ضد العدوان الإيراني السافر.
الإدارة الأمريكية الحالية لا تتحرك وفق حسابات "العجز"، بل وفق منطق الصفقات والبراغماتية والجغرافية، والتهدئة لـ 60 يوماً هي مهلة ممنوحة للدبلوماسية لـ "اختبار النوايا" الإيرانية وسحب فتيل اشتعال أسعار الطاقة العالمية، وليست تسليماً بالشروط الإيرانية.
إيران خلال السنوات العشر السابقة تتجول بملفها تحت ذريعة المفاوضات، نعم كسبت كل هذا الوقت لكنها لم تنجح بالحصول على ما تريده بشكل كامل من أمريكا، لكنها تصدر فوزها المجهول للعقول المغيّبة وتتغنى به.
ومطالبة طهران بالتعويضات أو الرفع الفوري والشامل للعقوبات هي "سقف تفاوضي مرتفع" لتعويض الخسائر الداخلية، لكنها على أرض الواقع لا تمتلك أوراق ضغط لتطبيقها بالكامل.
الوجود العسكري الأمريكي وقدرات الحلفاء في المنطقة لم تتراجع، بل أثبتت طوال الأشهر الماضية قدرتها على حماية خطوط الملاحة وفرض طوق رقابي صارم، مما جعل طهران نفسها تدرك أن الاستمرار في التصعيد سيكلفها ما تبقى من بنيتها التحتية رغم خسارتها الفادحة في هذه الحرب. وأن مضيق هرمز وبحر العرب ليس ورقة للمساومة أو الابتزاز السياسي من أي طرف.
استقرار الملاحة هو عصب الاقتصاد العالمي، والجهود الخليجية الدبلوماسية تركز دائماً على خفض التصعيد وحماية السيادة الوطنية.
التهدئة الحالية هي "مرحلة انتقالية حرجة". المنطقة لا تحتاج إلى صفقات مؤقتة تمنح أطرافاً بعينها وقتاً لإعادة ترتيب أوراقها العسكرية، بل تحتاج إلى إطار أمني شامل يحترم القوانين الدولية والممرات الدولية وسيادة الدول.
القيادة الخليجية والعربية تدرك أن استقرار المنطقة يصنعه الالتزام بالسلام والتنمية، وليس الاستعراض الصاروخي أو التحليلات الدولية المزيفة التي تبحث عن انتصارات وهمية على حساب أمن الخليج.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة