لماذا اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب يكاد يكون هو البند الوحيد الثابت في كل أحاديث الرئيس دونالد ترامب التي تدور حول المفاوضات الأمريكية-الإيرانية المرتقبة؟
فعلى عكس كل البنود التي ينبغي أن تشملها مذكرة التفاهم المنتظرة يبدو اليورانيوم عالي التخصيب هو "الغائب" إيرانياً بحجة أنه يحتاج إلى وقت أطول من باقي البنود الأخرى تحت تبريرات إيرانية بأنه يحتاج إلى وقت أطول للتفاوض من غير استبعاد النوايا الإيرانية غير البريئة المعروفة في شراء الوقت من أجل تسويق لاحقاً كمكسب سياسي للرأي العام الإيراني لاحقاً في هذه الحرب.
في المقابل، هناك ما يثير الاستغراب والتعجب في ناحية إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إخراج اليورانيوم من إيران رغم أن الرئيس نفسه هو من يؤكد أن هذا اليورانيوم تم تدميره ولم يبق منه سوى غباره فلماذا كل هذا الإصرار، إلا إذا كان لديه شك فيما يصرح به، أو أن لديه نية أخرى لها دلالات سياسية تتناسب وطبيعة هذه الحرب التي أزعجت العالم حيث يبدو أنها أبعد من أن تكون عسكرية واقتصادية فقط.
بعض الأزمات السياسية تحتاج إلى تفسيرات نفسية لفهمها؛ فعلى سبيل المثال النظم السياسية المبنية على فكر عقائدي وثوري تعتمد في شرعيتها السياسية على ما يسمى بالرمزية؛ وهذه الرمزية تأخذ شكل أشخاص وكذلك شكل مشروعات وطنية كبرى تبني عليها قصتها أو سرديتها.
والنظام الإيراني بنى شرعيته على رمزية البرنامج النووي وبالتالي فإن تعرض هذا البرنامج لاهتزاز وكسر في رمزيته ربما يفقد توازنه وانضباطه؛ وبالتالي يفتح الباب لاحتمالات السقوط.
إيرانياً، اليورانيوم المخصب مربوط بشرعية نموذج نظام ولاية الفقيه والذي يتفاخر به منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهذا البرنامج هو الإنجاز الأعظم لنظام ما بعد الثورة وبالتالي التخلي عنه سيعني سقوط شرعيته الحقيقية، وأظن الرئيس ترامب يدرك مخاوف هذا النظام لذا فهو يتمسك به ويصر إدراجه في أي تفاهمات بينهما حتى وإن كان لا يطلبه ذلك بشكل مباشر ولكنه يؤكد من خلال رفضه لكل المقترحات الإيرانية وإرجاعها للتعديل، وكأنما يقول للنظام "تعرفون ماذا أريد!!".
الرئيس ترامب يسعى من إصراره على إدراج اليورانيوم المخصب إلى تحقيق هدفين اثنين يصبان في إذلال النظام الإيراني وإهانته، وقد ذكروا الإيرانيين ذلك بأنهم يرفضون هذا النوع من التفاوض ما يعني أنهم يعرفون ما يريده الرئيس ترامب، ولكن قبل لوم ترامب على النظام الإيراني أن يدركوا أنهم هم الذين رسموا لنفسهم صورة نمطية للغطرسة والفوقية.
الهدف الأول لمساعي ترامب: أن يقر المفاوض الإيراني بنفسه بالتنازل عن هذا اليورانيوم. ومثل هذا الإقرار النابع من المفاوض الإيراني يعطي شرعية وضمانة حقيقية بالتنازل عنه لاحقاً. ما يعني عملياً انتهاء الشرعية النووية أو الرمزية الحقيقة لاستمرار هذا النظام الذي لا يملك أي شرعية إنجازات حقيقية سواه.
الهدف الثاني هو: كسر الغطرسة الإيرانية التي تتعامل مع المجتمع الدولي بفوقية والتي رسمها لنفسه سواءً من الناحية التاريخية، أو من ناحية سردية الشعارات السياسية يوهم فيها عقول مغيبة بأنه نظام مقاوم، وأنه النظام الذي لا يقهر ولا يقبل بالتنازل.
في علم النفس السياسي؛ فإن هزيمة الرمزية أكثر إهانة على أي نظام سياسي، ووقعها على المتعاطفين معه تمثل أكبر صدمة، أظن أن هذا ليس غائباً عن الرئيس ترامب لذا يصر على اليورانيوم وبلا شك النظام الإيراني يدرك تلك التبعات عليه فهو يتمسك به.
لذا ما يتم حالياً من حالة التشدد والتصلب في مواقف النظام التفاوضية هو تفسير أن الرمزية الإيرانية التي تم رسمها كُسرت والمماطلة ليست إلى محاولة لترميم هذه الصورة وهذا الكسر الكبير لإعادة الهيبة.
إذا ما نجح الرئيس دونالد ترامب في إسقاط النظام الإيراني الحالي أو التمهيد لسقوطه من خلال إجباره على التنازل عن البرنامج النووي بإرادته فإنه بذلك يكون أول رئيس أمريكي نجح في إسقاط نظام سياسي في منطقة الشرق الأوسط من خلال إسقاط: الرمزية الثورية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة