يشهد العالم تحولاً متسارعاً في صناعة الإعلام بفعل التطورات الهائلة في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ولم تعد نشرات الأخبار والبرامج الإعلامية حكراً على المذيعين البشر بل أصبحت الشخصيات الرقمية قادرة على تقديم المحتوى الإخباري والتفاعل مع الجمهور بدرجة عالية من الواقعية.
وقد بدأت مؤسسات إعلامية عديدة حول العالم (عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي) تصميم المذيعين الافتراضيين لتقديم الأخبار والبرامج بلغات متعددة، وعلى مدار الساعة في مشهد يعكس مرحلة جديدة من تطور الإعلام الرقمي.
يحمل هذا التطور مزايا عديدة تتعلق بسرعة إنتاج المحتوى وخفض التكاليف التشغيلية وإمكانية الوصول إلى جمهور عالمي متنوع. كما تتيح هذه التقنيات إنتاج نشرات إخبارية آنية، وتحديث المحتوى بصورة مستمرة بما يتناسب مع طبيعة العصر الرقمي الذي يتسم بالتدفق السريع للمعلومات.
لكن التحول نحو المذيع الافتراضي يفتح الباب أمام مجموعة من التساؤلات القانونية والأخلاقية التي تمس جوهر العمل الإعلامي. فالإعلام يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمسؤولية نقل الحقيقة والتحقق من المعلومات قبل نشرها وهي مسؤولية تتجاوز مجرد قراءة النصوص أو عرض البيانات.
تبرز الإشكالية بصورة أكثر تعقيدا عندما يقوم المذيع الافتراضي ببث أخبار أو معلومات غير صحيحة تؤدي إلى الإضرار بالأفراد أو المؤسسات أو حتى بالمصلحة العامة.
ففي هذه الحالة تظهر المسؤولية المدنية باعتبارها وسيلة قانونية لتعويض الأضرار الناتجة عن نشر المعلومات الخاطئة سواء تمثلت هذه الأضرار في المساس بالسمعة أو الإضرار بالمصالح الاقتصادية أو التأثير في الحقوق الشخصية للأفراد، ويصبح المتضرر من حقه المطالبة بالتعويض متى ثبت وجود ضرر وعلاقة سببية بين المحتوى المنشور والنتائج المترتبة عليه.
كما تطرح هذه الحالات تساؤلات حول تحديد الشخص المسؤول قانونيا عن الخطأ. فهل تتحمل المؤسسة الإعلامية المسؤولية باعتبارها الجهة الناشرة أم تمتد المسؤولية إلى الشركة المطورة لنظام الذكاء الاصطناعي أم تقع على الموظف الذي أدخل البيانات أو أشرف على تشغيل النظام. وتزداد أهمية هذه التساؤلات مع تزايد اعتماد المؤسسات الإعلامية على أنظمة توليد المحتوى المؤتمت.
أما من الناحية الجنائية فإن الأمر يكتسب أبعادا أكثر حساسية عندما يؤدي بث الأخبار الكاذبة إلى الإضرار بالأمن المجتمعي أو التأثير على النظام العام أو إثارة الذعر بين الجمهور. وفي مثل هذه الحالات قد تقوم المسؤولية الجنائية بحق الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين الذين يقفون خلف تشغيل هذه الأنظمة أو الإشراف عليها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل التطور الكبير الذي شهدته تقنيات التزييف العميق والتي أصبحت قادرة على إنتاج مقاطع فيديو وصوتيات تبدو حقيقية بدرجة كبيرة الأمر الذي يزيد من مخاطر نشر معلومات مضللة يصعب على الجمهور التحقق من صحتها.
ومن هنا أصبحت الحاجة ملحة لتطوير أطر قانونية وتنظيمية تواكب هذه المتغيرات التقنية وتحافظ في الوقت ذاته على حرية الإعلام وحق الجمهور في الحصول على المعلومات الصحيحة.
يتجه مستقبل الإعلام نحو تكامل متزايد بين الإنسان والذكاء الاصطناعي حيث ستتولى الأنظمة الذكية جانبا مهما من المهام التشغيلية والإنتاجية بينما يبقى العنصر البشري مسؤولا عن التحقق والتحليل والتقييم واتخاذ القرار التحريري؛ فالمصداقية الإعلامية تبنى على الثقة التي يكتسبها الجمهور من التزام وسائل الإعلام بالدقة والموضوعية والمسؤولية المهنية.
لقد فرض المذيع الافتراضي نفسه كأحد أبرز ملامح الإعلام الحديث وأصبح جزءا من المشهد الإعلامي العالمي.
ويبقى التحدي الحقيقي في قدرة المؤسسات الإعلامية والمشرعين على وضع ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة تضمن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وتحافظ على حق المجتمع في إعلام مهني يحترم الحقيقة ويصون الحقوق والحريات.
فالتقنية قادرة على تطوير أدوات الإعلام وتسريع وصول المعلومة لكن المسؤولية القانونية والمهنية ستبقى في نهاية المطاف مسؤولية بشرية لا يمكن تفويضها للخوارزميات.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة