التقيت الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي أكثر من مرة في مدينة الرياض، داخل قصر الملك سعود القديم بحي الناصرية، في مجمع قصر المؤتمرات الذي خُصص مقراً لإقامة الحكومة الشرعية اليمنية.
كان المكان يعج بالوزراء والمستشارين والضباط والوفود الدولية، بينما كانت الحرب تلتهم اليمن من أقصاه إلى أقصاه. هناك، في تلك القاعات الواسعة، كنت أراقب الرجل الذي حمل لقب رئيس الجمهورية اليمنية لعقد كامل، وأحاول أن أفهم سر هذه الشخصية التي صنعت كل هذا الجدل دون أن تترك انطباعاً حاسماً لدى من يلتقيها.
لم يكن عبدربه منصور هادي رجلاً يثير الرهبة، لم يكن خطيباً مؤثراً ولا قائداً كاريزمياً، كان أقرب إلى موظف دولة كبير وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة تاريخية أكبر من قدراته بكثير، ومع مرور السنوات ترسخت لدي قناعة بأن مشكلة هادي لم تكن في نواياه، وإنما في طبيعته السياسية نفسها، لقد كان رجلاً وُلد ليكون في الظل.
بعد حرب صيف 1994 وجد موقعه المثالي كنائب للرئيس علي عبدالله صالح، لم ينافس أحداً، ولم يبنِ مشروعاً خاصاً به، ولم يحاول صناعة تيار سياسي مستقل، عاش ثمانية عشر عاماً داخل المنطقة الآمنة من السلطة، وحين جاءت ثورة 2011 الإخوانية وأسقطت معادلات كثيرة، وجد اليمنيون الشماليون أنفسهم يمنحون الرجل فرصة تاريخية لم يحلم بها يوماً.
كان يفترض أن يكون رئيس المرحلة الانتقالية لعامين فقط، كان يفترض أن يقود البلاد نحو انتخابات جديدة ودولة جديدة وعقد اجتماعي جديد، لكن السنوات مرت، وتحولت المرحلة الانتقالية إلى عقد كامل من الحروب والانقسامات والانهيارات.
كان جيل كامل من اليمنيين يرى فيه فرصة لتجاوز إرث علي عبدالله صالح، لكن الرجل سرعان ما كشف عن معضلة أعمق، لم يكن رجل مشروع سياسي، كان رجل بقاء.
تحالف مع الإخوان المسلمين نكاية في صالح، واقترب من صالح في مراحل أخرى نكاية بخصومه الجنوبيين، وحاول إدارة التناقضات بدلاً من حلها، وكلما اشتدت الأزمات كان يبحث عن مساحة تضمن استمراره أكثر من بحثه عن حلول تضمن بقاء الدولة.
حتى مع التحالف العربي كان يحاول الاستثمار في التناقضات، حصل من الإماراتيين على أكثر مما يتوقعه أحد في تحرير عدن ثم تحرير مسقط رأسه أبين والمكلا وحتى الساحل الغربي، ومع ذلك بقي ضمن التناقضات يقدم علي محسن الأحمر كشيطان بين تفاصيل مهمة كبرى أحبطت بوضع العصي في دواليب التحرير والقضاء على الانقلاب في صنعاء وليست المعركة في عدن التي كان عليه أن ينحني شكراً لها لأنها أوفت له بما وعد.
المفارقة أن عبدربه منصور هادي كان أول رئيس جنوبي لليمن بعد الوحدة، وقد يكون أيضاً الرئيس الجنوبي الأخير للجمهورية اليمنية بالشكل الذي عرفناه، ففي عهده لم تتوحد البلاد أكثر، وإنما تشظت، سقطت صنعاء بيد الحوثيين، وانقسمت مراكز السلطة، وظهرت سلطات أمر واقع متعددة، وتحولت الجمهورية التي أقسم على حمايتها إلى خرائط متصارعة ومشاريع متنافسة.
وحين ننظر إلى المشهد اليوم، يبدو السؤال مشروعاً، هل ماتت الجمهورية اليمنية القديمة في عهد آخر رئيس جنوبي لها؟.
في سنوات الحرب أطلق هادي وعوداً كثيرة، أكثرها حضوراً ذلك الوعد الذي ألزم به نفسه حين تحدث عن رفع العلم اليمني فوق جبال مران، معقل الحوثيين التاريخي في صعدة، باعتباره رمزاً لهزيمة الجماعة واستعادة الدولة، رحل الرجل دون أن يتحقق الوعد، لم يُرفع العلم فوق مران، ولم تُهزم الجماعة، ولم تعد الدولة.
أتذكر أيضاً حديثه عن اتصاله بعبدالملك الحوثي وإبلاغه بأن تجربة إيران لن تنجح في اليمن، كانت تلك إحدى القناعات التي كان يكررها، لكن المفارقة القاسية أن الرجل الذي انتقد المشروع الإيراني لم ينتبه إلى أن مشاريع أخرى كانت تفشل هي الأخرى على الأرض اليمنية.
ففي الجنوب العربي المحرر جرى تقديم نماذج فكرية ودينية متعددة، وبعد سنوات طويلة اتضح أن هذه المشاريع أيضاً لم تستطع إنتاج دولة مستقرة أو هوية جامعة أو مشروعاً وطنياً متماسكاً، وكأن اليمن كان يرفض أن يكون نسخة عن إيران كما يرفض أن يكون نسخة عن أي تجربة أخرى.
لا يمكن في إطار التناقضات، أنه هو الذي أتى بقيادات المقاومة الجنوبية ثم عزلهم من مناصبهم في مكايدة سياسية أدت إلى تشكيل المجلس الانتقالي الجنوبي في مايو 2017، وأدت مكايدته له وللطرف الإقليمي الذي دفع بخطوة خاطئة صنعت واقع الجنوبيين ومنحتهم الممثل السياسي الحامل لقضيتهم الوطنية.
لهذا فإن قراءة تجربة هادي لا يجب أن تختزل في شخصه فقط، إنها قصة مرحلة كاملة من سوء التقدير السياسي، مرحلة اعتقد فيها الجميع أن بإمكانهم إدارة اليمن من الخارج أو عبر الوكلاء أو عبر التوازنات المؤقتة.
وخلال تلك السنوات كان هادي يعيش في الرياض، كانت الاجتماعات تُعقد والقرارات تُصدر والبيانات تُقرأ، بينما كانت الوقائع الحقيقية تُكتب في الجبهات والقرى والمدن اليمنية البعيدة عن قصور السياسة.
وحين جاء قرار نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022 لم يكن الأمر مفاجئاً، كان اعترافاً متأخراً بأن المشروع وصل إلى طريق مسدود، الرجل الذي جاء لإنقاذ المرحلة الانتقالية أصبح هو نفسه جزءاً من الأزمة.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن عبدربه منصور هادي لا يتحمل وحده مسؤولية كل ما جرى، الحوثيون مسؤولون، علي عبدالله صالح مسؤول، القوى الإقليمية والدولية مسؤولة، النخب اليمنية مسؤولة، لكن هادي كان في مركز المشهد، وكان من المفترض أن يكون القبطان، لهذا سيرتبط اسمه دائماً بفكرة الفرصة الضائعة، لم يكن طاغية، ولم يكن بطلاً، ولم يكن صاحب مشروع تاريخي.
كان رجلاً عادياً وجد نفسه في لحظة استثنائية، وحين احتاج اليمن إلى قائد يخرج من الظل، بقي هو وفياً لكل ما عرفه طوال حياته السياسية، بقي ظلاً حتى النهاية، ورحم الله آخر الرؤساء الجنوبيين الأوفياء للجمهورية اليمنية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة