في 27 مايو 2026، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن إيران "تتفاوض على أبخرة الوقود الأخيرة" (negotiating on fumes)، في عبارة تختصر لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها لغة القوة مع حدود الاستنزاف.
هذا التصريح لا يمكن قراءته باعتباره توصيفًا عابرًا، بل كجزء من خطاب ضغط سياسي يعيد صياغة موقع إيران التفاوضي، ويكشف في الوقت ذاته طبيعة المقاربة الأمريكية للصراع الممتد معها؛ حيث تتداخل السياسة مع القوة، والدبلوماسية مع الردع، في مشهد يقترب كثيرًا من الرؤية الكلاوزفيتزية التي ترى في الحرب امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى.
لكن في الشرق الأوسط أحيانًا كثيرة، لا تبدأ السياسة من طاولة التفاوض ولا تنتهي عندها. فهي كثيرًا ما تمر عبر مراحل من التصعيد، والعقوبات، والضغط العسكري المباشر، قبل أن تصل إلى لحظة التفاوض نفسها؛ ليصبح الحديث عن اتفاق أمريكي–إيراني مرتقب ليس سؤالًا عن نهاية الصراع، بل عن إعادة تشكيله وتفكيكه.
لا شك أن الرئيس الأمريكي ترامب يواصل تطبيق الرؤية الكلاوزفيتزية الشهيرة للمفكر العسكري البروسي الألماني Carl von Clausewitz بأن «الحرب امتدادٌ للسياسة بوسائل أخرى»، لكن بصيغة أكثر حداثة وتعقيدًا؛ إذ تتحول القوة العسكرية والاقتصادية إلى أدوات لإجبار الخصم على التفاوض والتنازل وفق توازنات جديدة، دون الانزلاق بالضرورة إلى فوضى في الداخل الإيراني وعلى ضفاف الخليج.
الحقائق على أرض الواقع
دون أدنى شك، فإن إيران تتفاوض على الدخان الأخير" negotiating on fumes"، وذلك في إشارة إلى أنها تفاوض وهي على وشك الانهيار، نتيجة عدة عوامل مترابطة؛ أبرزها الضغوط الاقتصادية الكبيرة والعقوبات التي أضعفت الاقتصاد الإيراني، إلى جانب الاستنزاف العسكري والإقليمي بعد التصعيد والضربات الأخيرة، ناهيك عن مقتل عدد من القيادات البارزة في النظام الإيراني. كما يسعى ترامب إلى تصوير المفاوضات باعتبارها دليلاً على نجاح سياسة "الضغط الأقصى"، فيما تندرج تصريحاته أيضًا ضمن إطار الحرب النفسية لزيادة الضغط على طهران وإظهار واشنطن بموقع الطرف الأقوى، وهي كذلك فعلاً.
لكن في المقابل، إيران تنفي عادةً أنها تتفاوض من موقع ضعف، وتقول إن استمرارها في الصمود وامتلاكها أوراقًا مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي يمنحها قدرة على المناورة، وفي الحقيقة، يراهن الحرس الثوري الإيراني الذي يمسك بالسلطة على أن واشنطن تخاف من الفوضى داخل إيران وامتدادها إلى مياه الخليج.
الاتفاق بوصفه نتيجة للضغط لا نقيضًا له
فالمشهد الحالي لا يعكس مجرد رغبة أمريكية في التهدئة مع إيران، بل يعكس محاولة لإعادة صياغة السلوك السياسي والأمني الإيراني بعد سنوات من الضغوط القصوى، والعقوبات، والاغتيالات، والضربات المباشرة، واستهداف شبكات النفوذ الإقليمي لطهران، وخاصة ما تقوم به إسرائيل من إضعاف وتفكيك حزب الله ومحاولة إعلاء السلطة اللبنانية الشرعية.
وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الاتفاق المرتقب باعتباره "سلامًا" بالمعنى التقليدي، بل باعتباره امتدادًا للصراع نفسه، ولكن بأدوات مختلفة، فالتفاوض هنا لا يأتي بعد انتهاء القوة، بل نتيجة لاستخدامها بصورة مدروسة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. فوفقًا لمنظور Carl von Clausewitz، لا تُخاض الحروب فقط من أجل التدمير، بل من أجل فرض إرادة سياسية جديدة، وهذا ما يظهر بوضوح في الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران.
فواشنطن لم تكن تسعى- على الأرجح- إلى إسقاط الدولة الإيرانية بالكامل، لأن انهيار إيران قد يقود إلى فوضى جيوسياسية هائلة تمتد آثارها إلى الخليج والعراق وآسيا الوسطى وأسواق الطاقة العالمية مع تدفق اللاجئين نحو دول الجوار لإيران. بل يبدو أن الهدف الأعمق يتمثل في: إنهاء النفوذ الإقليمي الإيراني المذهبي، مع توقف وتجميد البرنامج النووي وإخراج اليورانيوم، وإعادة تعريف دور طهران ضمن توازنات الشرق الأوسط وفق معايير الدولة القومية والسيادة، ومنع تحولها إلى قوة نووية عسكرية قادرة على فرض معادلات ردع جديدة.
وفي المقابل، تسعى إيران إلى تخفيف العقوبات الاقتصادية، والحفاظ على النظام السياسي الثيوقراطي، والاعتراف الضمني بحقها في برنامجها النووي، وتجنب الانهيار الاقتصادي أو الحرب الشاملة، ناهيك عن تمسكها بأذرعها الإقليمية في العراق ولبنان واليمن.
اللافت في أي اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران أنه لا يأتي بعد مصالحة سياسية حقيقية أو تحول أيديولوجي جذري، بل بعد سنوات من الاستنزاف المتبادل، فالاقتصاد الإيراني تعرض لضغوط كبيرة بفعل العقوبات، ناهيك أن إيران تحت التهديد العسكري، بينما تدرك واشنطن في المقابل أن استمرار التوتر المفتوح في الخليج يهدد استقرار الطاقة العالمية، وأسعار النفط، وسلاسل التجارة، وحركة الملاحة الدولية.
من الحرب المباشرة إلى إدارة الصراع ومعضلة الاتفاق
قد لا يكون الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران نهاية للصراع، بل ربما يكون مجرد مرحلة جديدة منه؛ مرحلة تنتقل فيها المواجهة من حافة الحرب إلى طاولة التفاوض، دون أن تغادر الحسابات العسكرية والأمنية خلفية المشهد. وبحسب التسريبات والتقارير الإعلامية المتداولة حتى الآن، فإن الاتفاق الأمريكي–الإيراني المرتقب يبدو أقرب إلى "تفاهم مرحلي" أو "اتفاق إطار" لوقف التصعيد، وليس اتفاقًا نوويًا شاملًا بحجم اتفاق 2015.
حقيقةً، معضلة أي اتفاق أمريكي–إيراني لا تكمن في صياغة البنود، بل في كيفية الموازنة بين الأمن والسيادة والنفوذ. فواشنطن تريد من طهران تجميد طموحاتها النووية، وإنهاء نفوذها الإقليمي واحترام سيادة الدول، وضمان أمن الملاحة في الخليج، بينما يسعى النظام الإيراني إلى تخفيف العقوبات، والإفراج عن الأموال المجمدة، والحفاظ على جزء من قدراتها النووية ومكانتها وأذرعها الإقليمية، ووقف الهجمات الإسرائيلية على حزب الله، والمساومة على الهيمنة الأمنية والتجارية على مضيق هرمز.
ومن هنا، فإن أي اتفاق محتمل سيقوم على معادلة دقيقة وخطرة من قيود نووية وتهدئة إقليمية مقابل مكاسب اقتصادية وتخفيف الضغوط الأمريكية، مع بقاء الخلاف حول حدود التخصيب ومستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة باعتباره العقدة الأصعب والأكثر حساسية. النقطة الأهم استراتيجيًا أن الاتفاق -إذا تم- يبدو قائمًا على إدارة الصراع وليس إنهائه، واحتواء التصعيد بدل تغيير النظام الإيراني أو تفكيك المشروع الإيراني بالكامل.
في القراءة النهائية للمشهد، لا يبدو الاتفاق الأمريكي-الإيراني المرتقب نهاية لمسار طويل من التوتر، بقدر ما هو انتقال إلى مرحلة جديدة من إدارة الصراع. فالتاريخ الحديث في المنطقة لا يقدم نماذج واضحة لانتهاء الأزمات، بل لتحولها من شكل إلى آخر، ومن ساحة مواجهة مباشرة إلى ساحة ضغط محسوب. وتبقى صورة عودة الحرب حاضرةً في المشهد وربما تكون أكثر تدميراً وأقصر وقتاً، ضمن هذا الإطار والتصورات، تصبح مقولة كلاوزفيتز أكثر حضورًا من أي وقت مضى: فالحرب ليست نقيض السياسة، بل أداتها الأكثر حدّة. وما بين العقوبات والردع، والمفاوضات والأدوات العسكرية، تتشكل معادلة معقدة هدفها ليس الحسم، بل إعادة ضبط التوازن والنفوذ وتغيير السلوك السياسي.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة