لم يعد ممكنًا الفصل بين صمت القيادة وخطورة المسار الذي تنزلق إليه البلاد، في لحظة فارقة من تاريخ السودان.
فحكومة بورتسودان، التي يُفترض أن تمثل الحد الأدنى من الاستقرار السياسي، تبدو اليوم واجهة هشة تُدار من خلفها أجندات أيديولوجية عابرة للحدود، تقودها جماعة الإخوان المسلمين بتشابكاتها القديمة والجديدة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل أصبح الفريق عبد الفتاح البرهان مجرد مظلة صامتة لهذا التمدد، أم أنه شريك ضمني في صياغة هذا المسار الخطير؟
ما يثير القلق ليس فقط الخطاب السياسي المرتبك، بل تصاعد نبرة التحريض العسكري والإعلامي من داخل مؤسسات يُفترض أنها رسمية أو شبه رسمية. فتصريحات منسوبة لضباط في القوات المسلحة، وتحديدًا العميد (طارق كجاب)، تحمل توجيهات باستهداف البنية التحتية لدول الخليج عبر إيران، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد آراء شخصية أو انفعالات عابرة، بل هي انعكاس لبيئة فكرية مشحونة تتغذى على خطاب تعبوي يتجاوز حدود الدولة الوطنية. وعندما يتزامن ذلك مع إعلان مجموعات مسلحة، مثل كتيبة (البراء بن مالك)، استعدادها للاصطفاف في صراعات إقليمية معقدة، وتحديدًا في مساندة إيران ضد دول الخليج العربي، فإننا نكون أمام مشهد ينذر بانزلاق السودان إلى دائرة صراع لا يملك أدواته ولا يتحمل كلفته.
إن أخطر ما في هذه التطورات هو الصمت الرسمي؛ فغياب موقف واضح من قيادة الدولة، وعلى رأسها البرهان، يفتح الباب أمام تأويلات متعددة، جميعها مقلقة: هل هو عجز عن ضبط الخطاب داخل المؤسسة العسكرية؟ أم تواطؤ ضمني مع تيارات تسعى لإعادة إنتاج مشروعها الأيديولوجي عبر بوابة الدولة؟ في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: إضعاف الدولة، وتآكل سيادتها، وتحويلها إلى منصة لصراعات الآخرين.
هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي للعلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين وإيران. فعلى الرغم من التباينات المذهبية، فإن البراغماتية السياسية جمعت الطرفين منذ عقود، بدءًا من تقاطعات فكرية مع أدبيات سيد قطب، وصولًا إلى تعاون عملي في السودان خلال تسعينيات القرن الماضي. حينها فُتحت قنوات اتصال مع مؤسسات إيرانية مؤثرة، وتم إنشاء مراكز ذات طابع ديني وثقافي، ترافقت مع أشكال من التنسيق الأمني والتدريب، في ظل نظام كان يرى في هذه التحالفات وسيلة لتعزيز بقائه، ولو على حساب التوازنات الداخلية والإقليمية.
اليوم، تبدو بعض ملامح ذلك الماضي وكأنها تعود في ثوب جديد، أكثر خطورة وتعقيدًا. فقد تغيرت المعادلات الإقليمية، وبلغت حساسية التوازن في منطقة الخليج مستويات غير مسبوقة. وأي خطاب عدائي أو تحريضي، حتى وإن صدر من أطراف غير رسمية، يمكن أن ينعكس سلبًا على علاقات السودان مع محيطه العربي، ويقوض فرصه في استعادة مكانته السياسية والاقتصادية. فالدول لا تُقاس فقط بما تعلنه رسميًا، بل أيضًا بما تسمح بمروره داخل فضائها العام من خطابات وممارسات.
من هنا، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد جدل سياسي عابر، بل اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة السودانية بمسؤولياتها الأخلاقية والقانونية. فإما أن تبادر القيادة إلى وضع حد واضح وصارم لكل أشكال التحريض والانخراط في صراعات إقليمية، أو تترك الباب مفتوحًا أمام فوضى قد يكون المدنيون أول ضحاياها. إن الصمت في مثل هذه اللحظات لا يُفسَّر حيادًا، بل يُقرأ غالبًا كإقرار ضمني أو عجز عن المواجهة.
إن إعادة بناء الدولة السودانية لا يمكن أن تتم في ظل ارتهان القرار الوطني لأجندات أيديولوجية، أو تحت مظلة تحالفات غامضة لا تخضع لمساءلة شفافة. المطلوب اليوم ليس فقط موقفًا سياسيًا واضحًا، بل مراجعة عميقة لمسار العلاقة بين السلطة وهذه التيارات، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية التي تحمي مصالح شعبها أولًا، وتحترم محيطها الإقليمي، وتلتزم بالقانون الدولي. أو أن تختفي هذه الحكومة وتترك الساحة للحكماء لإدارة الدولة بعلاقات دبلوماسية راشدة ومتزنة.
يبقى السؤال مفتوحًا، هل يملك البرهان الإرادة والقدرة على فك هذا الاشتباك، واستعادة القرار السيادي من قبضة التنظيمات الأيديولوجية المصنفة دوليًا إرهابية، أم أن السودان ماضٍ نحو مرحلة جديدة من التداخل الخطير بين الدولة والأيديولوجيا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل السلطة، بل مصير دولة بأكملها تقف اليوم على مفترق طرق حاسم.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة