لم تكن الضربة التي استهدفت دولة الإمارات مجرد حادث عسكري عابر يمكن إدراجه في سجل التوترات الإقليمية المعتادة، بل كانت لحظة اختبار حقيقية كشفت ما تخفيه سنوات المجاملات الدبلوماسية والعبارات المنمقة التي تُقال في زمن الرخاء.
ففي أوقات السلم تبدو العلاقات الدولية واسعة ومريحة؛ الجميع صديق، والجميع شريك، والجميع يتحدث عن التعاون والتفاهم. لكن حين تقع الأزمة، يسقط الزائد عن الحاجة، وتبقى الحقيقة وحدها على الطاولة. هذا ما حدث تمامًا خلال الأيام الماضية. خلال ساعات من الاعتداء تحركت عواصم كبرى، واتصالات مباشرة من قادة العالم وصلت إلى أبوظبي معلنة تضامنها الواضح مع الإمارات. لم يكن ذلك تعاطفًا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لشبكة علاقات بنتها الدولة عبر عقود من العمل الجاد، شراكات قائمة على المصالح المشتركة والثقة والاحترام. هذه الشراكات ظهرت في وقتها، ظهرت عندما احتاجت الإمارات إلى موقف واضح لا إلى مجاملة باردة أو بيان دبلوماسي رمادي.
لكن الصورة لم تكن متشابهة في كل مكان. ففي هذه اللحظة تحديدًا ظهر الوجه الآخر لبعض العلاقات التي نسجتها الإمارات في سنوات السلم. علاقات لعبت فيها أبوظبي مرارًا دور الأخ والسند؛ دعمت اقتصادات متعثرة، ووقفت مع دول في أزماتها، وفتحت أبوابها لفرص الاستثمار والتعاون حين كانت الحاجة ملحّة لدى الآخرين. كان ذلك جزءًا من طبع الإمارات ومن أخلاقها السياسية التي تقوم على الشراكة لا على الحسابات الضيقة. لكن حين جاء الدور على كلمة واضحة، حتى كلمة تضامن بسيطة، اختار البعض الصمت. صمت ثقيل، كأنه يقول أكثر مما يخفي.
الإمارات دولة تعرف جيدًا كيف تفرّق بين الشراكة الحقيقية وعلاقات المجاملة التي تزدهر في أيام الهدوء وتتبخر عند أول اختبار. ولهذا فإن ما بعد هذه الأزمة لن يكون كما قبلها. ليس لأن الإمارات ستتخلى عن نهجها في الانفتاح وبناء الشراكات، بل لأن التجارب تعيد ترتيب الأولويات. فالدول، مثل البشر، تتعلم من لحظات الاختبار. لقد أثبتت الأيام الماضية أن الشراكات التي راهنت عليها الإمارات كانت في محلها؛ شراكات تمنحها قوة إضافية دون أن تنتقص من استقلال قرارها، شراكات تعبر بها الأزمات ولا تتركها فيها. هذه العلاقات ستزداد قوة وربما تصبح أكثر رسوخًا بعد ما حدث. أما علاقات المنفعة العابرة وعلاقات الصمت المريب فقد سقط عنها القناع، ليس لأن أبوظبي ستعلن خصومة مع أحد، بل لأنها لم تعد مضطرة إلى التعامل مع الجميع بالثقة نفسها التي منحتها في زمن السلم.
هناك قاعدة يعرفها أهل هذه الأرض جيدًا: من وقف معك في الشدة تعرفه، ومن غاب تعرفه أيضًا. واليوم، بعد هذه الأزمة، أصبحت الصورة واضحة. ستبقى الإمارات كما عرفها العالم دولة تبني ولا تهدم، تمد يدها ولا تبحث عن خصومة، لكنها في الوقت نفسه لن تنسى ما كشفته الأيام الأخيرة. فالأزمات، مهما كانت قاسية، تمتلك فضيلة نادرة: أنها تعيد ترتيب الأصدقاء، وتضع كل علاقة في مكانها الصحيح.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة