حين طرح الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات سؤاله القاطع: "أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك؟"، فهو لا يستدعي مجرد إجابة دبلوماسية عابرة، بل يفتح بابا واسعا لمراجعة مرحلة كاملة من التاريخ السياسي العربي.
مرحلة كشفتها الأحداث الجارية بقدر عالٍ من القسوة والوضوح، لذا فهو ليس مجرد سؤال وقتي بقدر ما هو إعلان صريح عن لحظة تحول، لحظة لم يعد فيها الصمت قابلاً للتأويل ولا الغياب قابلاً للتبرير ولا الحياد المصطنع قابلاً للتمرير.
فالتاريخ لا ينصف أبدا من هم يتحلون بالحكمة "الوهمية" ويختبئون في المنطقة "الرمادية"، بل يميل بوضوح إلى أولئك الذين حسموا موقفهم حين كان الصمت أسهل وحين كان الاصطفاف مكلفا، وهنا تحضر المقولة التاريخية لمارتن لوثر كينغ الابن عندما عبر عن هذه الحقيقة ببلاغة حين قال "في النهاية لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا".
في السياق العربي، تبدو هذه الفكرة أكثر إلحاحا، فعندما تتعرض دولة الإمارات إلى هذا الكم من الاعتداءات السافرة من إيران، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الحياد موقفا مقبولا، بل يصبح في حد ذاته موقفا سياسيا يحمل دلالاته، فالحياد والصمت في وقت العدوان جريمة، فهو بذلك لا في المنتصف كما يتوهم بل يميل عمليا لصالح المعتدي.
وبالعودة إلى جوهر السؤال، سنجد أنه لم يأتِ من فراغ بل يرتطم بسجل طويل من المواقف العربية، وفي القلب منها مواقف دولة الإمارات التي لم تكن يوما على هامش الأزمات، بل في صميمها حاضرة بالفعل لا بالشعارات، بالدعم لا بالبيانات، سؤال يكتسب ثقله الحقيقي حين يقارن بين لحظة الغياب الراهنة، وتاريخ من الحضور الإماراتي في أشد اللحظات العربية قسوة، فمنذ تأسيسها، لم تتعامل الإمارات مع محيطها العربي بوصفه دائرة نفوذ ومصالح، بل باعتباره امتدادا وجوديا وأخويا، وهو ما تجسد في مواقفها خلال أزمات مفصلية مرت بها العديد من الدول العربية والإقليمية.
لم تكن هذه المواقف استثناء، بل كانت قاعدة أرساها الوالد المؤسس الشيخ زايد، ففي كل اختبار إقليمي كانت الإمارات تقدم نموذجا للدولة التي تترجم التضامن إلى أفعال ملموسة، وتربط بين الأمن القومي العربي واستقرارها الداخلي، فلم تتوانَ في أي لحظة عن الانخراط ميدانيا وسياسيا وإنسانيا في مسعى لحماية ما تبقى من تماسك عربي.
ومن هنا، نطرح بدورنا سؤالا آخر وهو كيف لدولة قدمت هذا الرصيد من الدعم أن تجد نفسها في لحظة تهديد، في مواجهة صمت إقليمي وغياب لمؤسسات يفترض أنها وجدت أصلا لمثل هذه اللحظات؟ أين جامعة الدول العربية التي لطالما رفعت شعار العمل العربي المشترك؟ وأين منظمة التعاون الإسلامي التي يفترض أن تكون مظلة تضامن إسلامي في مواجهة التهديدات؟
لقد وضعت التحديات الأمنية وفي مقدمتها التهديدات الإيرانية التي تواجه دول الخليج ومن بينها الإمارات، النظام الإقليمي العربي أمام حقيقة كاشفة وصادمة، لا ترتبط فقط بقدرات الردع، لكنها كشفت عن وهن وهشاشة المبادئ التي طالما ترددت في أروقة تلك المؤسسات، فعندما تُستهدف دول وتهدد سيادتها ويغيب الفعل الجماعي، يصبح السؤال عن جدوى هذه المؤسسات مشروعا، بل وملحا.
في هذا السياق، لا يبدو المشهد مجرد أزمة عابرة، بل يعكس واقعا استراتيجيا جديدا يعيد صياغة التحالفات ومفاهيم الأمن، لقد انتقلت دول الخليج ومن بينها دولة الإمارات من مرحلة التعويل على الإجماع العربي إلى مرحلة الاعتماد على الذات، ليس خيارا ترفيا، بل ضرورة فرضتها لحظة الخذلان الإقليمي.
إن مرحلة "الفرز السياسي والاستراتيجي" التي تمر بها المنطقة اليوم، هي في جوهرها لحظة تعاد فيها قراءة مواقف الدول، لا وفق خطاباتها، بل وفق أفعالها من يقف ومن يصمت ومن يبرر، كلها معايير جديدة تعيد تشكيل خريطة الحلفاء.
فلم يعد العتب مجديا ولم يعد الانتظار خيارا، بل أصبح ترتيب الأولويات ضرورة وجودية، وفي قلب هذا التحول تبرز دولة الإمارات كمركز ثقل سياسي مستقل تمتلك قرارها وتعيد تعريف موقعها في النظام الدولي، حيث لم تعد الدولة مجرد طرف في معادلات الآخرين، بل أصبحت فاعلا رئيسيا تصوغ شراكاتها وفق مبدأ "المصلحة أولا".
وهذا التحول لا يعني القطيعة مع المحيط، بل يعني إعادة تعريف العلاقة معه على أسس أكثر واقعية، أسس يحكمها الالتزام المتبادل لا التضامن المجاني، ومن هنا، تبرز الشراكات الدولية كخيار واقعي لسد الفراغ الإقليمي، فالدول التي لا تقدم إسنادا حقيقيا في لحظات الخطر، تفقد تلقائيا حقها في الاعتراض على خيارات الآخرين، ولتكن المعاملة بالمثل وينتهي زمن الدعم غير المشروط، فالمعيار الجديد هو الموقف وقت الشدة وليس وقت الرخاء.
في النهاية، لم يعد بالإمكان الحديث عن "إجماع عربي" بالمعنى التقليدي، وحل مكانه زمن القرار السيادي السريع، حيث تدار التهديدات الوجودية بمنطق الفعل لا الانتظار، أما المؤسسات التي عجزت عن مواكبة هذه التحولات، فقد وجدت نفسها خارج معادلة التأثير، لتتحول تدريجيا إلى هياكل شكلية تفتقر إلى الفاعلية والمصداقية.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة